عمائم بلا حدود

عند المجتمعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري، شهدنا ولادة منظمات عابرة لمختلف اشكال الحدود الجغرافية والسياسية والاجتماعية مثل (اطباء بلا حدود) و (صحفيون بلا حدود) وغيرها الكثير. منظمات تشكلت روحها وغاياتها من منهل العمل الطوعي المكرس لخدمة عيال الله من دون تمييز. ظواهر عبرت عن حيوية وعافية تلك المجتمعات. أما في مضاربنا المنكوبة بكل ما هو متنافر وروح وقيم الاعمال والنشاطات الطوعية، فقد نضح المشهد الغرائبي عن مخلوقات وظواهر لم يدونها تاريخ تطور وانحطاط المجتمعات البشرية من قبل. آخر ابتكاراتها ما يمكن ان نطلق عليه (سوبر ستار العمامة) كتلة ضخمة من الشحم واللحم واللحية المرسلة، اطلق على نفسه اسم الباقري النجفي. معمم شاب من مواليد العام 1994 يتهادى مختالا وسط رتل من السيارات والحمايات، تحول بين ليلة وضحاها الى شخصية نافذة تستقبل من قبل القيادات الامنية والسياسية والدينية. مثل هذه الفقاعة الضخمة كان بمقدورها الاستمرار أكثر في انتحال مثل هذه الصفات والعناوين لولا نزعاته الشرهة جدا في الوصول الى الشهرة عبر الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، التي ازاحت مساحيقه المستعارة بوقت قياسي.
لكن والحق يقال فان الباقري النجفي، وبالرغم من تهوره ونزقه الشبابي الذي اطاح به سريعا؛ الا انه اهدانا ومن دون وعي منه، صفعة ايجابية بمقدورها تقديم العون لنا في مواجهة ما يحيط بنا من هياكل ومؤسسات هشة ومن قيادات أمنية وسياسية منخورة لا تتمتع بادنى شروط ومعايير المسؤولية والهيبة. كما قدم للجهات الدينية المسؤولة عن تخريج المعممين انذاراً غاية في الشدة والقسوة، على ما آل اليه حال العمامة في عصر اصبح فيه عمر المعلومة أقصر من عمر الفراشة. وهو بما حصل عليه من اهتمام وتقدير لا يحلم به علماءنا الحقيقيين، يدون على جبهة العراقيين جميعاً المفردة التي يستحقونها على ما انحدروا اليه من حضيض أي (امدانه) على هذا الحال المزري الذي وصل اليه سكان أول وطن عرفت رقمه الطينية باكورة المدونات.
طبعا سارع البعض لتسخيف وتسفيه مثل هذه الظاهرة العميقة في مغزاها وآثارها، بوصفها عمل فردي عابر وعبثي، غير ان الامر على غير ذلك تماماً. ان الباقري النجفي يعكس حجم الخراب الذي انحدرنا اليه، وحجم الترهل الذي لحق بالمؤسسات الدينية والاعداد الهائلة التي انخرطت فيها وما زالت تتدافع اليها، لما تدره من مكانة وامتيازات وحظوظ. لقد حذرنا مراراً من مثل هذه المخاطر المتربصة بنا جميعا مدنيين ورجال دين حقيقيين. ومع الباقري النجفي نتذكر العبارة الخالدة ابداً (تكرهون شيئاً وهو خير لكم) وهذا الشاب المعمم المستعجل جداً قد قرع لنا جرس الانذار عما يمور في قعر مجتمع استفردت به قوى التخلف والخنوع والظلام. علينا مواجهة الحواضن والمناخات والشروط التي قدمت لنا الباقري النجفي، كما حال حربنا ضد داعش وحواضنها التي اهدتنا كل هذا الدمار من موت وانحطاط ونازحين ومشردين والقادم أخطر ان لم نتفق على ان بضائع الغيبوبة والشعوذة والقشمرة ستطيح بنا جميعا في نهاية المطاف..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة