نظرة جديدة على علاقة البشر بالحيوان والروح بالطبيعة

رواية «واو الصغرى» للكاتب الليبي إبراهيم الكوني
مارسيا لينكس كوالي
ترجمة: سليمان توفيق

حازت رواية إبراهيم الكوني (واو الصغرى) عام 2015 على جائزة الترجمة الوطنية الأمريكية للترجمة الأدبية. وعلى الرغم من أن هذا العمل الأدبي يُظهِر عبثية الأعراف الأدبية في الغرب وقد يُثير الحيرة لدى القراء الغربيين، إلا أن هذا ليس ما يمثل مكامن السحر والجاذبية في هذا العمل الأدبي، كما تكتب لموقع قنطرة الناقدة الأدبية مارسيا لينكس كوالي التي قرأَتْ الترجمة الإنجليزية لهذا الرواية العربية.
من يرغب في أن يستمتع برواية إبراهيم الكوني «واو الصغرى»، فعليه الانخراط في غرابتها. وقراءة رواية الكوني من خلال عيون ترجمة وليام هاتشينز الإنجليزية، مثل الاستماع إلى موسيقى جديدة ومختلفة، مع نغمات غير عادية وإيقاعات حادة في بعض الأحيان.
تبدأ الرواية التي صدرت بالعربية عام 1999 مع وصول الطيور المهاجرة. أبطال الكتاب هم سكان الصحراء البدو الرحل، الذين يتحركون في الاتجاه المعاكس للطيور. هذا شيء مختلف تماما لما نتوقعه من البشر الحضر. عندما تتابع الطيور – أو «المخلوقات المجنحة» – طيرانها يبقى فقط عينة قديمة منها. إن موت الطيور يسبق موت زعيم البدو، والذي يؤدي بدوره إلى نشوء تغيرات غير متوقعة في القبيلة.

ارتياب تجاه الروايات الكونية
هذه هي الرواية الرابعة لإبراهيم الكوني التي ترجمها وليام هاتشينز. ويقول المترجم الأمريكي الشمالي عن نفسه بأنه يرتاب عموما من « الروايات الكونية التي كُتبت على مايبدو خصيصا للقارئ الغربي». «واوالصغرى» ليست كذلك. لا تستخدم الرواية الأوصاف المتعارف عليها أو الخطوط الزمنية، ولا يتشعب في مسارات القبيلة في العديد من الخطوط السردية.
إن الغرابة التي يرسمها إبراهيم الكوني لها علاقة وثيقة بشخصه. أعمال الكاتب الليبي متاحة بالترجمة الإنجليزية منذ أكثر من عشرة سنوات – بدءا من رواية «نزيف الحجر (2003)، التي ترجمها إلى الإنجليزية كل من مي جيوسي وكريستوفر تينغلي. (صدرت الترجمة الألمانية عام 1995 بعنوان «نزيف الحجر») وقد أشاد بها النقاد في الوقت الحاضر.
يُحبذ المترجم هاتشينز «التحدي الفكري» للأعمال الروائية التي كتبها إبراهيم الكوني. بالفعل «إنها هذه الغنائية في أسلوب كتاباته الذي لا هوادة فيه، والتي تجعلك تريد أكثر من ذلك: إنه الإغراء المؤلم والجميل لصوره ولكلماته».
يقول هاتشينز إنه لم يكن يتوقع أن حصل ترجمته لرواية «واو الصغرى» عام 2015 على جائزة الترجمة الوطنية التي تمنحها الجمعية الأمريكية للترجمة الأدبية. لكن هذا ليس التقدير الأدبي الوحيد الذي حصل عليه إبراهيم الكوني في البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية. وقد وصل عمله الأدبي في نفس السنة إلى اللائحة الطويلة لـ «لجائزة العالمية مان بوكر». إنه شرف لم ينَله غيره سوى تسعة كُتاب من العالم.
يتميز إبراهيم الكوني ليس فقط من خلال لغته المستوحاة من النصوص العربية الكلاسيكية، وإنما تعتبر أيضا مشهد الصحراء، والمعتقدات الدينية وقصائد الطوارق سمات خاصة به. نجد في العديد من أعمال إبراهيم الكوني أن المشاهد الطبيعية والحيوانات ليست مجرد إكسسوارات السرد، بالأحرى يسلط عمله على نظرة جديدة على العلاقة بين البشر والحيوان، و بين الروح والمشاهد الطبيعية.

التوتر الأساسي بين حياة البداوة والحضر
تستعرض رواية «واو الصغرى» التوتر الجوهري بين إغراء التناء والشوق الى الحضر. عندما يموت الزعيم، تقيم له القبيلة ضريحًا. ويُعهد إلى عرافة مهمة تلقي رسائل الزعيم الميت. لهذه الغاية يتم تشييد بناء لها وللضريح. يتحول هذا الضريح الى «وتد» يربط القبيلة بالمكان. إنها فرصة لحفر بئر، لتصبح البيئة خضراء. وتأتي القوافل ويستوطن فيها الغرباء وسرعان ماتحوط الجدران القبيلة الراسخة في التقاليد التي تشهد تحولات هامة.
لا تقتصر هذه التحولات على سكان الصحراء فقط. طرأ أيضا تغيرا على النبات والحيوان في الواحة المشيدة حديثا. الطيور المهاجرة المتبقية في الفصل الأول تأخذ سمات البشر: «سقط سقطة مهينة، فاندس منقاره النبيل في التراب، وعندما انتزعه من الحضيض، من العار، وضرب به في الفضاء لينفض عنه الغبار والذل، رأى الصبيان في مقلتيه الكسولتين، المتعبتين، وميضاً، بللاً، دموعاً».
ولكن ليست الطيور فقط من تأخذ سمات البشر. أيضاً الناس أنفسهم يوصفون كأنهم طيور. كما لو كان لديهم نفس الآمال والتطلعات مثل الطيور المهاجرة. هذا التشابك يمتد حتى إلى أبعد من حياة الحيوانات: أصل الصحراء التي تبدو بلا حياة – هذا ما نخبره- من عظام أجدادنا.

المحلي يُصبح عالمياً
لم تذكر الرواية أي دولة من الدول اليوم. نتعرف على مكان يدعى «حمادة»، يقع في المنطقة الشمالية من الصحراءالليبية. كما هو متبع في الحكايات الشعبية، يبدو لنا أبطال الرواية ليس كأفراد. معظمهم بدون أسماء. يتم التعرف عليهم من خلال دورهم في المجتمع وليس من خلال سيرتهم الذاتية وخصائصهم.
إبراهيم الكوني لا يكتب من منظوره كواحد من السكان المحليين «الأصيليين». درس الكاتب في روسيا ويعيش منذ فترة طويلة في سويسرا. أعماله الأدبية تتوافق مع تراث آخر. في أول كل فصل يستشهد بأقوال لشوبنهاور، وللفيلسوف الصيني تشوانغ تسي، ومن الريجفيدا الهندوسية وحِكم أخرى. يبدو عالم «واو الصغرى» غريبا جدا وقديما. وتظهر الحداثة على أطرافها مغرية ومهددة بنفس الوقت.
يتميز إبراهيم الكوني ليس فقط من خلال لغته المستوحاة من النصوص العربية الكلاسيكية، وإنما تعتبر أيضا مشهد الصحراء، والمعتقدات الدينية وقصائد الطوارق سمات خاصة به. نجد في العديد من أعمال إبراهيم الكوني أن المشاهد الطبيعية والحيوانات ليست مجرد إكسسوارات السرد، بالأحرى يسلط عمله على نظرة جديدة على العلاقة بين البشر والحيوان، و بين الروح والمشاهد الطبيعية.
أمضى إبراهيم الكوني طفولته في الصحراء بين الطوارق. ومنذ فترة طويلة يعيش في الخارج، ولكن كتبه تعود دائما إلى الصحراء. وفي حوار معه عام 2010 يقول الكوني: «حتى لوكنت نبيا لما استطعت كتابة 60 كتابا حول الصحراء من الذاكرة. ومن أجل إحظار أغلى شيء لدي وجب علي العودة إلى نوع آخر من الذاكرة، الشيء الذي يسمونه المتصوفة «الذاكرة الداخلية» وعلماء النفس «اللاوعي».
يُشير هاتشينز إلى أن أسلوب إبراهيم الكوني الأدبي ليس مطبوعا بالروحانية فقط وإنما أيضا بالرياضيات». يستخدم الكوني الجناس على سبيل المثال في تكرار نفس الكلمة في عدة صفحات. تتحول س المجهولة في المعادلة الرياضية الى كلمة مطابقة في جميع هذه السياقات المختلفة «.
يُحبذ هاتشينز «التحدي الفكري» للأعمال الروائية التي كتبها إبراهيم الكوني. بالفعل «إنها هذه الغنائية في أسلوب كتاباته الذي لا هوادة فيه، والتي تجعلك تريد أكثر من ذلك: إنه الإغراء المؤلم والجميل لصوره ولكلماته».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة