الزعامة.. أوهام ومعارف

من بين الكثير من اسباب الاحتقانات السياسية وتنامي انعدام الثقة في البيئة السياسية يمكن الاشارة الى ظاهرة «الشخصانية» التي تتجاوز حقوق الافراد في التصدر والارتقاء والزعامة الى نوع من الهوس الذي يطهر في اقبح مظاهره حين يتجه المهووس الى كسر شوكة المنافسين بوسائل التشهير والتآمر والتأليب والايقاع.
ولا نكتشف شيئاً مثيراً إذا ما قلنا بأن المشكلة المستعصية التي تواجهها الازمة السياسية تتمثل في الاندفاع الى الزعامة والتزعم عبر تحشيد الاعوان من القبيلة والعائلة للايحاء انهم يمثلون الرأي العام، فيصطفون على جانبي الطريق الذي يمر خلاله ويهللون ويكبرون لافتين نظر المارة، او مثيرين لسخريتهم، وليس في الامر سرًا بأن للمصالح الشخصية الضيقة، ومتفرعات وعناوين هذه المصالح، رائحة غير طيبة في هذا الهوس.
على سطح هذه الظاهرة الانحرافية كلام كثير عن شروط الزعامة والتزعم، كمفصل من مفاصل علم السياسة الذي يؤكد على الاهلية الذاتية والتفويض الشعبي، وثمة في تجارب الزعامات التاريخية معارف غنية بالمعطيات والوقائع، الهند مثلا، كانت تشبه حالنا الآن من وجوه كثيرة، سوى ان هناك زعيماً ملهماً يأكل من معزة ترافقه اينما حل، ولم يكن ليحتاج الى حمايات وسيارات مصفحة تفتح له الطريق، ولم يكن يحب التصفيق.
في خطاب لغاندي عثر عليه مؤخراً في مكتبة بالولايات المتحدة القاه قبل اسابيع من اغتياله، عبر عن امتعاضه من تصفيق الجمهور، قائلاً: «أرجوكم! أرجوكم! أرجوكم! سيؤثر ذلك سلباً في خطابي وفي فهمكم لما أقول. أريد أن أمسَّ قلوبكم، لا أريد أن أحظى بتصفيقكم».
لنتذكر انه كان على اراضي الهند اقوى دولة استعمارية في العالم، وكان السكان، كما هو الحال عندنا، يمارسون العنف كل من موقعه وذرائعه، ولم يكن اصحاب الشعارات والرطانات يتحملون رسالة غاندي نحو السلام والبناء. آنذاك فاجأه شاب من الجماعات «المقاتلة» المتطرفة بالهتاف «ايها الخائن» فرد عليه الزعيم قائلاً: «إنه خطأي أنا، لأنني لم أعلمك الحب» غير ان الرصاصات لم تترك له ان يكمل خطابه فلفظ انفاسه وهو يردد انشودته الشهيرة: «هذه دنيا غريبة فإلى متى ستلعبون لعبة الحياة».
ما أحوجنا الى الزعيم الذي لا يستغني عن مِعزته اينما حل.. ولا يحب التصفيق.
*********
حكمة مترجمة
«صحيح اننا لا ندرك ما لدينا الا بعد ان نخسره، و لكنه صحيح ايضا اننا
لا نعرف كم اشتقنا له الا بعد ان يعود الينا».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة