الأخبار العاجلة

الحس التعبيري في مجموعة (بين ظهور الأقواس)

مهند صلاح

تكمن أصالة الكتابة التعبيرية في حقيقة الشعر و الروحية التي يمتلكها. إنه يفتش بشكل مباشر عن ظواهر المجتمع و أزماته.
عندما يكون هنالك وعي قرائي فإن عمليات الفحص و التلقي ستشير بكل أدواتها الى ان هذا النوع من الكتابة يصور حياة (المدن– الحرب– المواقف السياسية– رديكالية الذات) لذلك فهي تعج بالجنون و الحرمان و هذا ما جاء في نص (لحظة يغيب فيها الأمل):
صدر يضيق
لا أمر
يقطع دابر حاجتي
أجنحة من ضوء
أم من موج
لا لا
الحياة في تطور..
و في مقطع آخر من النص:
ليس لهم من الأمر شيء
جدار
برقع من خشوع
يستر دبكا راقصا
أنا سجين
وقود إلاهيتي يكاد ينفذ ..
ان هذا الشعر يظهر بطاقة مكبوتة. انه يفسر الحرب داخل الذات الخاصة بالشاعر و محيطه، و الحركات الثورية و الصدمات التي تليها . فهو بإيجاز يستعمل لغة تعبيرية ترافق موقف القارئ الذي يرى للحظة بأن النص يأخذه الى حافات المدن داخل صيرورة اللغة التركيبية، أو يذهب به الى مناطق تمكنه من النظر بموضوعية.
و بهذا يصبح جزءا من من المشاهد التصويرية رغم الإنفصال الحياتي و الجسدي عن روح النصوص المقروءة. رغم إنه يرحب بالجوانب غير العقلانية و الخراب الذي يحيط بمخيلته كمتلقي.
في نص (كنز هنا):
رأسي ..
هذه التي تحمل دماغ النور
ليت رأسي
لم تكن متشاكسة
ليت نفسي
ما أشهرت إفلاسها
_ و في موضع اخر منه:
أمراء ..
حقراء ..
كل في (فلك يسبحون)
جاء الاتجاه التالي للشعر كتعبير (دراماتيكي) كنتيجة واضحة عندما علم الشاعر بأن الخوض في مسارات الفكرة الواحدة سيكون بمثابة التدمير لها عبر تغير المزاج النفسي لديه . و عندما أخذت الحرب اللغوية تتسع أدرك بأن هذه القوى اللاعقلانية التي هلل لها كثيرا قد كشفت طبيعته. كانت قوى مدمرة لاليات النقل و التعاطي مع الثيمة التي تواكب مصادر العطاء داخل الكتابة . لقد نظر الى الأنشطة الجمالية الأولية بوصفها أنشطة هلاك لأنها تحطم المعطيات الدرامية و لا تعيد صياغتها. إن اللغة التعبيرية التي يستعملها الشاعر (حسين الغضبان) يستلهمها من فوضى و اضطرابات العلاقات الإنسانية، و التي خلقت بدورها كل مستلزمات ظهور نصوصه بهذا الشكل المتقن.
_ في نص (هو ذا أنت يا عراق):
أعلم أن شراعك تنسجه الشعور
كلما مزقته الحروب
تمخر ضد الريح
تستبق الوصول
بوصلتك نجمة أكبر من الشمس ..
هم يدركون ان الوصول الى الله
يلزمه عطاء أكبر
أمهات قائمات
يشحن الصبر جمالا
يصككن وجوههن فرحا
كلما زارتهن الملائكة..
لقد تحول الشعور بالمرارة داخل النصوص الى شفقة مكثفة ساعدت في إبراز الدوافع الإنسانية التي بإستطاعتها الإستمرار في ضخ الايعاز الى المخيلة الى الانغماس في داخل الصوت الشعري، بل ان الشاعر أحيانا يمارس دورا سلطويا في فرض سلطته المطلقة على القارئ. إنه يجعل القارئ يتوقع أشياء قد لا تحدث أبدا، وغالبا ما يتم ذلك لإثارة كوامن التلقي و الانجرار خلف تواتر الكلام. ان الميل نحو لفت الأنظار للطبيعة الخيالية للنص قد أثار الكثير من المناظرات الجمالية، و هو لم يصل لتلك النقطة الصعبة التي تجعل وظيفة الكاتب قائمة على تطوير الوسائل الكافية لمواجهة المشاكل التي يعاني منها القارئ اثناء تلقيه.
في نص (مثلي و الغريب):
لا نبتغي بعضنا
نسير بين ظهر قوسين
انا إبن مرآة
و نخلة وسط الدار
و عتبة باب خيرة
كيف يعرفني
و هو إبن بذار، جاءت به الريح ..
إذا أردنا دراسة الإنطواء الموجود داخل نصوص مجموعة (بين ظهور الأقواس) و الذي أنتج تغيرا جذريا في شكل هذه النصوص، فينبغي لنا أن نلاحظ إنه كان وراء ذلك الإنطواء دافعان متناقضان نسبيا. الأول هو الرغبة في تحرير النص من قيوده و واقعيته المسطحة، و الثاني هو إعتماد هذه النصوص على العالم المادي الملموس و إختبار حقيقة الحياة بحرية و كثافة أكثر. (لو كان الكاتب إنسانا حرا و لم يكن عبدا، لو إستطاع كتابة ما يختار لا كتابة ما يفرض عليه، لو إستطاع أن يبني مشاعره الخاصة و ليس ما هو متعارف عليه، فلن تكون هنالك حبكة).

في نص (من أنا):
تهزني إرجوحة التفكير، كيف الأشياء من حولي تكون، حين يسير الكون تحت ريشة الرسام، حين تنكشف الكنائن تحت رصاص القلم، ما بال الطيور تأكل من يدي و كيف سمح البحر أن أمتطيه جوادا. جعلتني متمردا على الموت.
عند تجريد النص من صفاته الإنسانية. يلاحظ إن أحد نتائج إبتعاد الكتابة عن الواقعية و الأمور الإنسانية هي إن النص أخذ يميل الى ان يصبح لعبة أو حيلة ممتعة. و هذا ما حدث حقا حيث أخذت نصوص المجموعة تهتم بإنجازاتها الفنية، و أخذت تركز في الطاقة المتأتية من الشكل و التقنية، و إعطاء الشاعر بعدا دراميا و موسيقى دفينة داخل الجمل، و هو ما يجعل أجزاء النص ترتبط ببعضها، و هو بهذا يشبع رغبة القارئ الجمالية و ليس رغبته التاريخية كشاعر.
مجموعة (بين ظهور الأقواس) للشاعر حسين الغضبان هي من إصدارات دار المتن للطباعة و النشر. و هي تقع في) 144) صفحة، و قد تضمنت في متنها ( 69 ) نصا حملت أشكالا كتابية متنوعة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة