الأخبار العاجلة

أحزاب أكسباير

لقد برزت الاحزاب السياسية (الآيديولوجية) بشكلها الذي وصل الينا مع الانتداب البريطاني، في اواسط القرن التاسع عشر، وقد مثلت الاممية الاولى (باكورة الاحزاب الشيوعية) محطة مفصلية في طريق ولادة الحركات الآيديولوجية، والتي وضع اساسها البيان الشيوعي الذي خطه يراع الفيلسوف الالماني كارل ماركس بمساعدة رفيقه فريدريك انجلز. وعبر هامش الحريات الذي تسلل لمضاربنا مع زوال سلطة بني عثمان، ظهرت حزمة من هذه الاحزاب ابرزها الحزب الشيوعي العراقي (عام 1934) وبعد ذلك حزب البعث تاسس فرعه العراقي اوائل الخمسينيات من القرن المنصرم، وبعد ذلك حزب التحرير فرع جماعة الاخوان المسلمين في العراق، لينبثق من رحمه لاحقاً الفرع الشيعي (حزب الدعوة) وهكذا باقي التنظيمات العقائدية التي لعبت ادوارا مهمة في ما عاشه العراق من تطورات وتداعيات حتى يومنا هذا. عميد الاحزاب العقائدية (الشيوعي) والذي حصد نهاية الخمسينيات من القرن المنصرم اعظم شعبية عرفها حزب شيوعي في العالم، لم تتمكن بقاياه من كسب مقعد واحد لها في آخر انتخابات برلمانية شهدها العراق، اما حزب البعث المسؤول عن كل الدمار الشامل الذي لحق بسكان هذا الوطن الذي كان مترعا بالمشاريع الحضارية والآمال الكبيرة قبل نصف قرن، وحولته سياساته الهمجية والاجرامية الى ما هو عليه اليوم، فقد تم حضر نشاطاته نهائيا في العراق. باقي الاحزاب القومية واحزاب الرسائل الخالدة تلاشت ايضاً، ولم يتبقى سوى حزب الدعوة والتنظيمات التي انشقت عنه لاحقا، ومثيله السني (الحزب الاسلامي) فرع جماعة الاخوان المسلمين في بستان قريش.
جميع هذه الاحزاب التي ولدت زمن الحرب الباردة بين معسكري الشرق والغرب، لم تدرك حتى هذه اللحظة حجم التحولات الهائلة التي حصلت في العقود الاخيرة، ولا معنى (البيرسترويكا والغلاسنوست) اي اعادة البناء والمكاشفة والعلنية التي اتخذها آخر زعيم آيديولوجي (ميخائيل كورباجوف) في الاتحاد السوفيتي السابق منهجا له. لكن وكما وصلت الينا “بدعة” الاحزاب السياسية الحديثة متأخرة، فان عبرها والدروس التي تمخضت عنها ستصل متأخرة ايضا، وهذا ما سيتيح لبقايا الاحزاب الآيديولوجية من مواصلة منهجها في العبث بمصائر هذه المجتمعات المنكوبة بالحلول المستعارة.
هذه الاحتياطات المهيمنة من الدوغماتيكية والتحجر العقائدي هي من تقف خلف الكثير من الخيبات التي عشناها والتي تتربص بنا حاليا. اننا اليوم أمام مأزق حقيقي نعيشه بمعية هذه الاحزاب والكتل التي انتهت صلاحيتها تماما بعد زوال النظام المباد ورسالته الخالدة. اننا اليوم بامس الحاجة لفك الارتباط مع مثل هذه الاحزاب التي تشترك مع داعش بوهم (الاسلام هو الحل) والسرديات الانشائية التي عفا عليها الزمن، علينا مواجهة التحديات والحاجات الحقيقية لنا كمجتمعات اضاعت بوصلتها وفطرتها منذ زمن بعيد. ان عصر مومياءات التشرذم قد ولى، نحن اليوم أمام مخاطر جسيمة تحتاج لا مساهماتنا جميعا وحسب، بل شحذ عقولنا ومواهبنا التي تكلست طويلاً، لابتكار انجع الوسائل والطرق للانضمام مجددا لنادي الامم والدول والاحزاب والتنظيمات والنقابات التي وصلت لسن التكليف الحضاري. فهل آن الاوان أم ما زلنا نحتاج الى هزائم ابشع واقسى كي نتدبر امرنا ونخفف قليلا مما سنورثه للاجيال المقبلة..؟
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة