العفو العام في الزمن الخطأ

مع كل دورة تشريعية يتصدر مشروع قانون العفو العام جدول اهتماماتها، احياناً يخفق دعاة تشريعه في تمريره، واحيانا اخرى ينجحون في تمرير صيغة مخففة بعد التضحية بعدد من فقراته المثيرة للجدل والاستياء. ذاكرتنا ما زالت تحتفظ بمشهد المطلوب للعدالة حاليا ونائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي وهو يعد السجناء باطلاق سراحهم بعد ان أمسك بشاربه تاكيدا لذلك الوعد الذي قطعه. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد كل فزعة للعفو عن السجناء من مختلف التهم هو؛ ما الذي حصل بعد ذلك؟
المعطيات اشارت الى ان غير القليل منهم قد سارع لتعويض الزمن الذي ضاع منه وراء القضبان، عبر الالتحاق بصفوف الجماعات الارهابية والاجرامية، وتقديم الخبرات المتطورة التي اكتسبها في اكاديميات السجون العراقية المشهود لها في مجال اعداد الملاكات المتمرسة في علوم الاجرام والارهاب. لقد حذرنا مرارا من مثل هذا الاصرار على اعادة طرح مشروع العفو العام وفي مثل هذا الاوضاع التي يمر بها البلد، حيث هشاشة الوضع الامني، والذي ازداد تعقيدا مع التدهور السريع في اسعار النفط (معيلنا الاساس) والوضع الاقتصادي المتدهور الذي القى بظلاله الثقيلة على المشهد العام. بلد يعاني من عجز متعاظم في النهوض بمختلف مجالات الحياة؛ هل سيتمكن من استقبال هذه الاعداد الكبيرة من الذين سيشملهم هذا القانون؟
مثل هذه المشاريع والتشريعات تصلح لمجتمعات تتوفر فيها الشروط اللازمة، من استقرار امني واقتصادي واستعداد للتعامل مع نتائج مثل هذه القوانين والقرارات. ومن يتابع المشهد العراقي الحالي؛ يدرك جيدا نوع الشروط المتنافرة ومثل هذا الاصرار على اصدارها وتمريرها. ويدرك مستوى التعقيد وحجم العتمة والتباس الامور فيه، والتي ستزيدها مثل هذه القرارات غير المسؤولة تعقيدا وضياعاً. ومن الاهمية بمكان الاشارة الى اننا لا ننكر حقيقة ما يتداوله الكثيرون عن اوضاع السجون المزرية وعن القضاء والاعتقالات التعسفية في حالات عديدة، وغير ذلك من امتدادات اخطبوط الفساد الذي تسلل لمختلف الحقول؛ لكن كل ذلك لا يمكن ان يدفعنا لارتكاب حماقات لا تقل ضرراً وظلماً عما هو موجود حالياً. قد يبدو رأينا هذا للبعض معارضاً بالمطلق لقانون العفو العام، واننا لم نأخذ بنظر الاعتبار مظلومية البعض من الذين وضعوا خلف القضبان وانعكاس ذلك على اسرهم ومعارفهم، غير ان الحقيقة غير ذلك تماماً، فنحن نسعى لتسليط الضوء على الجناة الحقيقيين، الذين لا يسرحون ويمرحون خارج القضبان وحسب بل ما زال البعض منهم يتصدر المشهد الراهن. هؤلاء الذين يدركون تماما مسؤوليتهم عما حصل لغير القليل من أولئك المعتقلين. ان اصرارهم على تمرير مثل هذا القانون، يعكس حجم الضغط الذي يتعرضون له، وحاجتهم للتملص مما خلفته فزعات سابقة.
الحل لن ياتي من مثل هذه الخلطات السريعة، ولا من مواصلة منهج المراوغة والصفقات، الذي الحق ضررا فادحا بمصالح الوطن والناس الحيوية؛ بل عبر المواقف المسؤولة والشجاعة التي تتصدى بوعي لما نضح عن تجربتنا السياسية بعد “التغيير” ومن ثم فتح المجال أمام قوى جديدة وتشريعات تمهد لصنع مناخات وشروط بمقدورها التعاطي مع نتائج وتداعيات مثل هذه القرارات الخطيرة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة