مدرسة دنهاخ الفنيّة وشاعرية اللون الرمادي

ترجمة: عدنان حسين احمد

شِهَد الفن التشكيلي الهولندي عصره الذهبي في القرن السابع عشر٬ لكن الكوارث الاقتصادية٬ والهزات السياسية العنيفة المتتالية التي عانت منها الأراضي المنخفضة هي التي قللت من أهمية الأدب والفن والإبداع بصورة عامة. غير أن الفنون الجميلة سرعان ما انتعشت وتم إحياؤها من جديد في حدود عام ٬1830 هذا التاريخ الذيُيطلق عليه الآن اسم الحقبة الرومانسية في الفن الهولندي. كانت الأعمال الفنية التي تلقى رواجاً كبيراً في تلك الفترة هي المناظر الطبيعية٬ واللوحات التي تعكس التاريخ الوطني للبلاد. وكان أندرياس شخيلفهاوت رسام المناظر الطبيعية بامتياز٬ وبالذات المشاهد الُمصَّورة في فصل الشتاء٬ وأيضاً اللوحات المرسومة بين الغابات الكثيفة٬ والكثبان الرملية الممتدة بين مدينة دنهاخ وضاحية شخيفننجن هي اللوحات
التي كانت تجد طريقها إلى منازل الأثرياء٬ وصالات العرض٬ والمتاحف الفنية التي تزدحم بها المدن الهولندية الغارقة في الترف٬ والنعمة٬ والرفاهية. وكان الأسلوب الُمتبع هو تقليد أساليب فناني القرن السابع عشر العظماء٬ ومحاكاة نزعتهم الرومانسية. كانت الدروس الفنية التي يتلقاها الرسامون المبتدئون تعتمد على مناهج مدرسية بسيطة لا تنطوي على مراحل أو مستويات متفاوتة٬ ومنهم: فيسنبُرخ٬ يوهانز بوزبوم٬ فيلم رولوفز٬ أنتون موف٬ و ديفيد. أي. سي. آرتز. ميزداخ٬ بول جي. سي. غابريل٬ بيرنارد. جي. بلومرز٬ هندريك .جي. جوزيف إسرائيلز٬ فيلم مارس٬ ياكوب مارس٬ فيلم دو زفارت٬ هندريك فيلم ساهمت في تعزيز مكانة « مدرسة دنهاخ « داخل هولندا وخارجها نذكر باربيزون « واتخذوا من الرسم الحر طريقة لهم. ومن أبرز الأسماء التي اتجه فنانو هذه المدرسة إلى الطبيعة٬ والهواء الطلق٬ تماماً كما فعل جماعة « ضّمت العديد من الأسماء الفنية التي تنتمي إلى أعمار وخلفيات متنوعة. وقد أُسست هذه المدرسة الفنية عام 1860 في مدينة دنهاخ «لاهاي»٬ وقد تميزت مدرسة دنهاخ الفنية برسم المناظر الطبيعية أيضاً.
في 1860 ذهب كل من إسرائيلز٬ وياكوب مارس٬ وفيسنبُرخ إلى هناك لمزاولة رسم المناظر الطبيعية خاصة٬ والحياة الريفية و من بين هؤلاء الرسامين زاروا باربيزون وذلك من أجل تطوير مواهبهم وتقنياتهم الفنية فضلاً عن الزوار المنتظمين للمنطقة أمثال فيلم رولفز وبول غابريل. كما ذهب الى هناك العديد من التلاميذ أمثال أنتون موف والأخوين مارس في صيف ذلك العام امثال والد خيرارد وكانوا يعبرون عن انطباعاتهم بواسطة الضربات السريعة للون. ثم انتقل جي دبليو بلدرز معهم «وضاهوا هؤلاء الرسامين من خلال تسجيل المناطق الريفية المحيطة بهم رسامين العالم انذاك». وقد تأثر هؤلاء الرسامون برسامي مدرسة باربيزون، «الفنانين الهولنديين الذين تجمعوا في منطقة أوستر بيك لكي يرسموا مناظر باربيزون التي نالت شهرة كبيرة».
هذا النموذج الفني أتبعه في عام 1850 عدد من أعمالهم في رسم الطبيعة٬ كما كانوا يرونها هم أنفسهم والتي تمثلت بغابة كثيفة الأشجار بالقرب من «فاونتين بلو». وكان التأكيدُ منصباً في فنانون من طراز روسو٬ وداييز٬ وترويون٬ وكورو الذين شقوا طريقهم إلى باربيزون. في عام 1830 غادر ياكوب مارس أكادمية دنهاخ ليدرس مع إرنست هيبرت في خروننجن وأمستردام لذلك غادر إلى باريس وبدأ يأخذ دروساً في إستوديو كوك كوك.
ولم يكن جوزيف إسرائيلز مقتنعاً بالأكادميات الموجودة في كارلس هوبيرت. بينما درس بول غابريل مع رسام المناظر الطبيعية بي. سي. خيرارد بلدرز في أكادمية دنهاخ للرسم وأكمل تعليمه الفني مع الرسام السويسري في أماكن مختلفة لكي يحصلوا على الدروس التي يرغبون بها.
وهكذا ترك رسامو هذه المدرسة اثرهم في عموم المدن الهولندية. ثم بدأ أساطين هذه المدرسة بنشر المبادئ والقيم الفنية الانطباعية كما تخلصت الفرشاة من صرامتها الإخراجية٬ وأصبحت أكثر استرخاًء وحرية٬ فصارت الألوان فاتحة جداً٬ وأكثر وضوحاً من ذي قبل.
وكان تأثير الانطباعيين والمدرسة الانطباعية التي بسطت نفوذها على أوروبا تحديداً واضحا على أغلب الأعمال الفنية على مدى نصف قرن تقريباً. ثم وقع الفنانون أنفسهم تحت تاثير من اللون ذاته. وقد أثنى النقاد على «شعرية اللون الرمادي» الذي صبغ إشارة مهمة جداً حينما قال «بأن هذه المجموعة تستعمل الدرجة اللونية أكثر وهي في الغالب، الألوان الرمادية أو ظلالها».
وقد أشار أحد النقاد الفنيين في هذه الحركة الى أن مجمل فنانيها كانوا يستعملون الألوان الكابية٬ المعتمة ومن اهمهم: أنتوف موف٬ وجوزيف إسرائيلز. وكما هو معروف فان رسوم المناظر الطبيعية بلغت ذروتها في القرن السابع عشر، فكان الرسامون يمتلكون معرفة عميقة بتأثير الضوء و»الأتموسفير»ُ مسترجعين تقاليد رسم حافات السواحل الرملية.
كان أغلب فناني «مدرسة دنهاخ» يمتلكون حساسية بحر الشمال عند «شخيفننجن» والشوارع العشوائية التي تظهر وتغيب و الأحياء الغريبة و متاهات البحار٬ كما رسموا مشاهد كثيرة من السواحل٬ وبالمقابل صوروا النساء اللواتي ينتظرن عودة الأزواج الذين يركبون البحر كما رسموا صوراً واقعية للمناظر الطبيعية التي تحيط بهم٬ ورصدوا حياة الصيادين وبذلك انفتح فنهم على الطبيعة والهواء الطلق. وبدلاً من هذه العودة القسرية إلى التاريخ، اتخذت رسوماتهم صبغة أكثر واقعية٬ُ محاكين جماعة باربيزون الفرنسية التي يتخذوا منها مثالاً لتوجهاتهم ونزعاتهم الفنية والجمالية، كما صبغوا النظرة التقليدية التي كانت تهيمن على الفن الأكاديمي ومنهجياته الصارمة التي كانت تستمد موضوعاتها من المثيولوجيا القديمة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة