الفساد الأكبر.. الغرق في فساد الأشخاص.. وترك فساد المنظومة

لان الناس تحب القصص والفضائح.. ولأن القضايا الشخصية يسهل انتشارها وفهمها.. ولأن المنازعات والصراعات السياسية تأخذ طابع التسقيط والاتهام.. ولأن الوعي العام خصوصاً في بلد عاش لعقود طويلة في ظل الحروب والحصار والعقوبات، والاموال السهلة، وضعف القانون والنظام، وكثرة التشريعات والتغييرات والانقلابات، والاستيلاء على الممتلكات، وسرعة الثراء او الصعود في السلم الاجتماعي، فان الكلام عن فساد المنظومة سيكون اكثر تعقيداً وفهماً من فساد الاشخاص، وان الثاني هو نتيجة للاول، وما لم يعالج فساد المنظومة فان فساد الاشخاص سيستمر، ولا سبيل لعلاجه بالوسائل الرقابية والجزائية فقط، مهما عظمت. ولأن نقاش قضايا الفساد تأخذ في هذه الايام القسط الاكبر من اهتمامات الرأي العام والمسؤولين، لذلك ارتأيت اعادة نشر نص افتتاحية كتبتها بتاريخ 14/3/2011 بعنوان «الفساد الاعظم، هو الفوضى والترهل».. ولتحديث الارقام ولاظهار بعض مصادر الفساد الاساسية نذكر، بأن عدد المسجلين على الملاك اليوم (2016)، يزيد على 3.5 مليون، واذا اضفنا المتقاعدين فسيزيد الرقم على 7 ملايين، كما ان المشاريع المتعطلة حسب احصاءات وزارة التخطيط بلغت في 2015 نحو 9000 مشروع بكلفة تقترب من 300 مليار دولار:
[«الفساد الاعظم هو ليس السرقة بمعناها المعروف، وهو ليس الرواتب برغم اهميتها.. انه تهرىء الالة (النظام) ليصبح استهلاكها اكثر من انتاجها، واذاها اكثر من نفعها.. ليصبح الهدر والتعطيل هو القانون، وليس الكفاءة والانتاجية والسرعة والانجاز. عندها، فان الفساد يتم باسم القانون وتحت غطائه.
سبب الفساد هو ترهل وفوضى في العَدَدِ والادارات واللجان.. وفي القوانين والاجراءات.. التي جعلت لكل دائرة، وموظف شروطاً خاصة لتفسير وتأويل التعليمات والكتب والمستندات المطلوبة وصحة الصدور..الخ. فالذي يسهل المعاملات ويحترم روح القانون والتعليمات بمقاصدها وليس بالفارزة والنقطة، هو موظف قد يسقطه نظام الفساد والقضايا الكيدية. اننا نظام «الاقطاعات الادارية» بمالكيها و»سراكيلها». ليس بالضرورة، بسوء قصد، بل بسبب الخوف وعادات العمل ونزعة التفرد التي تفرضها الاجواء والتقاليد السائدة. كلنا يستنشق هواء الفساد ويعيش التزاماته، وعينا ذلك ام لا.. في التعيين والاختيار والسفر والايفاد والترفيع والمخصصات.. في العقود والمناقصات والمزايدات، التي ان لم تراجع فستبقى وسيلة للابتزاز وابطاء دورة الاعمال.. في المواصفات الموضوعة للحماية بما يزيد الكلف وركاكة التنفيذ.. في الفلس الذي نحرص عليه فنخسر الدينار. في التوثيق والحفظ والمخاطبة التي تغبن الحقوق وتهدر الوقت وتسمح بالتلاعب. انه استمرار احتكار الدولة ومركزيتها وتدخلها في الصغيرة والكبيرة، لتنوء باعباء غير مصممة لها، ولتحجز المجتمع والشعب من اخذ دورهما.
ارتفع عدد الملاكات خلال (2003-2011) الى (2.5) مليون بعد ان كان (850 الفاً) في 2004. في حين لم تتقدم انتاجية الدولة ومتطلباتها، بل تراجعت.. في الصين (20) وزارة، وما لدينا اكثر من (40) وما يكفينا هو (15)، وكذلك المديريات والاقسام..الخ.
ان علاج الترهل في العَدَد هو في «الاقتصاد الموازي» و»اقتصاديات السوق».. ليكون الاخير معياراً لكفاءة القطاع العام والخاص.. ولمساعدة القطاع «الموازي» او «الاهلي» لتوفير العمالة والخدمات والمصالح، بدل الاعتماد الاحادي على الدولة. اما الترهل والفوضى في الادارات والاجراءات والقوانين فعلاجها ضرب الفاسدة والمعرقلة، واللجوء للادارة والتنظيم الحديثين، ومنها الحكومة الالكترونية، وجعل الكفاءة والانتاجية والسرعة معايير حقيقية لخدمة المواطن والمصالح.
ان الدولة اليوم هي ليست دولة الخدمة العامة، بل هي نوع سيء «للرعاية الاجتماعية»… بكل التعطيلات والكلف الاضافية التي يتحملها الموظف والمواطن والدولة.»] عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة