الخدّج ما لهم حوبة ؟

من جحيم المحرقة التي التهمت من جاء الينا وهو بحاجة لرعاية خاصة (الخدج)؛ يمكن التعرف على الملامح البشعة لما تعتنقه المجتمعات من قيم وشيم، لا ما تدعيه من فقاعات المآثر والفتوحات. ما جرى للاطفال الخدج في مستشفى اليرموك، هو اشارة الى عمق الانحطاط الذي انحدرنا اليه جميعاً، نحن سكان هذه المستوطنة، التي سمحت لكل اوباش الارض باستباحتها وفرض شرائعها الهمجية عليها. ما جرى في ردهة الاطفال حديثي الولادة تعجز قدرات البشر التعبيرية عن ادراك اعماقه البشعة، مخلوقات لم تسنح لهم الفرصة للتعرف على دفء احضان امهاتهم بعد، تتحول حاضناتهم الى أفران حارقة لم تبق منهم غيربقايا اجساد متفحمة. عندما يتم لفلفة هذا الحدث المأساوي أو تسخيره لخدمة اطراف النزاعات المحتدمة لتناهش الوليمة الازلية؛ فذلك يعني اننا مصرون على المضي قدماً الى حيث الحضيض. لا نملك كما حال المتمرسين بامتطاء صهوة مثل هذه الاحداث؛ الكثير من البطرنة كي نقضيه مع ما يجتر غالبا في مثل هذه المحطات المريرة؛ بوصفها تجلي من تجليات القضاء والقدر، أو جزء من مسلسلات “التماس الكهربائي” او ما يقوله مجلس محافظة بغداد المسؤول عن ادارة ذلك المستشفى على لسان رئيس مجلس المحافظة او مدير صحة الكرخ؛ عن وجود شبهات لعمل ارهابي يقف خلف ذلك الحدث الذي تخجل منه حتى الضواري في مملكة الحيوان.
تحول الاطفال الخدج الى بقايا اجساد متفحمة وهم وسط ما يفترض انها حاضنات آمنة لهم، وفي اماكن اوجدتها المجتمعات البشرية (المستشفيات) لتقديم العون اللازم لا للانسان وحسب، بل امتدت عند الامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري الى باقي المنتسبين لمملكة الحيوان؛ يعني اننا قد ولجنا بهمة قوارض المشهد الراهن، من فلول النظام المباد وشراستهم في العودة للغنيمة الازلية خلف شتى الواجهات، والقوى التي تلقفتها بعد الفتح الديمقراطي المبين؛ الى أطوار لم تدونها التجارب البشرية من قبل. لقد حولتنا عقود من الهيمنة المطلقة لسلطة حثالات البشر، والتي لم تخفت مع الجيل الجديد من القوارض المدججة بالعقائد التي يقبع من حاولت شرائع السماء تكريمه ذات عصر؛ في قعر اهتماماتها؛ الى حطام من البشر يعد الكثير منهم فرصة بقاءه على قيد الحياة ولو باشكالها البدائية جداً، بمثابة نعمة لا تقدر بثمن…؟!
ما هذه الهموم والاهتمامات التي حولتنا الى مخلوقات ارخص من فئران الاختبار، لم نعد نمتلك القدرة على الاحساس بالحيف والظلم والالم، مع كل كارثة تحل بنا نلهج بالادعية وعبارات الشكر لكل هذه المحن التي تجرب صبرنا واستيعابنا لكل ما يصيبنا، من دون ان نلتفت الى حقيقة ما نجنيه على انفسنا جراء تشبثنا بمثل هذه الهلوسات التي هجرتها سلالات بني آدم منذ زمن بعيد. سيول من الكوارث والهزائم والمحن لم تنجح في تحريك ما تبقى لدينا من ضمائر وعقول؛ كي ندرك عمق المأساة البعيدة عن هذيانات فرسان التغيير والاصلاح واستعراضاتهم البائسة، فمن دون ظهور بوادر لتحول قيمي واخلاقي لا يمكن انتظار غير المزيد من الاهانات ووصمات العار التي لن تكون مشاهد تفحم العراقيين الخدج آخرها..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة