هرم المعايير المقلوب

مع مثل هذه المعايير والقيم التي تحتفي باللصوص والوصوليين وتنبذ الملاكات النزيهة والمجربة، يصبح الحديث عن تحولات واصلاح وغير ذلك من شعارات تورمت مؤخراً في بورصة المزاودات السياسية والعقائدية؛ استمرارا لحفلات اجترار العلف اليومي لهذه المجتمعات التي هجرت فطرتها الطبيعية منذ زمن طويل. نادرا ما يتجرأ سكان هذه المضارب المنحوسة؛ بطرح مثل هذه التساؤلات الصادمة على انفسهم، وعلل عجزهم العضال من مواكبة باقي سلالات بني آدم، في العيش بصورة طبيعية ومواجهة تحديات عصرهم الواقعية لا الخرافية، كما هم عليه منذ أكثر من الف عام وعام.
لماذا يرتقي مثل هؤلاء الى المفاصل الحيوية للمجتمع والدولة العراقية، وخاصة خلال العقود الخمسة الاخيرة بمثل هذه الانسيابية واليسر؟ واقع لم يتغير بعد “التغيير” ربيع عام 2003 وحسب بل ولج الى اطوار جديدة، بهمة سدنة “الفضيلة والتقوى” ومعسكر “المتوضين” وغير ذلك من المعايير التي قذفتها على تضاريسنا مغارة (الولاء والبراء). مع مثل هذه المعايير، لا سبيل امامنا غير المزيد من الدقلات على طريق الخيبات المتواصلة الممزوجة بالصراخ والعويل. ان التغيير الحقيقي لم يبدأ بعد، وما نشاهده من استعراضات على هذا الطريق، لا يمت بصله للتحولات الواقعية المؤلمة والمريرة، والتي تقف ثوابتنا ومعاييرنا الحالية لها بالمرصاد، وما البهذلة التي تعرضت لها الديمقراطية وصناديقها واحبارها البنفسجية طوال أكثر من 13 عاما على تضاريس اقدم المستوطنات البشرية، الا برهان قاطع على عمق ورسوخ هذا الخراب.
في أكبر واقدم الاوطان البشرية (الهند) احتفت معاييرهم التقليدية بالمهاتما غاندي ومنظومة (اللاعنف) التي حررت بلادهم العظيمة من سيطرة الاستعمار البريطاني، وها هو البلد الاكبر سكانا (مليار ونصف) وبالرغم من وجود الآف المذاهب والملل والنحل يعيش بسلام وامن وسط شروط حياة اقتصادية واجتماعية غير هينة. وعلى الضد من ذلك في البلدان المنكوبة بـ (اهتزاز الشوارب) والتي تطلق على الامام “الميشور” تسمية “ابو الخرك”..؟ يتم الاستخفاف بالسلوك المهذب والمسالم ويتعرض اصحابه لكل انواع الاهانة والاذلال، من دون الالتفات الى خصالهم ومواهبهم المتفقة وحاجات عصرنا، الذي انحنى اجلالاً للعقل وفرسانه من العلماء الحقيقيين لا المزيفين. ان الضحالة الفكرية والقيمية المهيمنة هي من تقف خلف كل هذا الطفح الهائل من الخراب والضياع، ومن دون التوقف المسؤول امام هذا الخلل البنيوي الرهيب لا يمكن التعويل على هذه الموجة الجديدة من فزعات الاصلاح والتغيير، التي ستقذفنا بدورها الى جولة اخرى من الخيبات والماراثونات البطرانة. لا خيار امامنا لمواجهة مثل هذه المصائر الظالمة التي اطبقت علينا من كل الجهات؛ غير استرداد هرم المعايير لوضعه الطبيعي، حيث يعاد الاعتبار لاصحاب العقول والضمائر الحية والشجاعة، ولروح الايثار وخدمة الشأن العام، ليتصدروا المشهد، الذي عبثت به قوافل اللصوص وسدنة العقائد الآسنة والمخلوقات المسكونة بتقنيات اللواكه ومستلزماتها. ولانها خربانه كلش، فاننا نواجه تقاليد عريقة ومكينة في الخراب، لن تجدي معها قبضة العطابات السريعة والجاهزة والتي تتقافز على سطح المشهد كلما اشتد العويل، لابد من التحول الفكري ومعوله الجسور القادر وحده على تصديع هياكل الخراب وشبكاته الاخطبوطية المسؤولة عن كل هذا الشلل والعجز والفشل العضال، وهذا ما لم يحصل بعد مع الشعوب المنتمية للتضاريس الممتدة من الفاو لزاخو..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة