“الذكريات وغلاف مجلة”.. جماليات الماضي في العراق

متابعة ـ الصباح الجديد:
يتجلى الحنين بصيغ شتى لدى الروائي نعيم عبد مهلهل في روايته “بريجيت باردو.. الذكريات وغلاف مجلة” وهو حنين يعود إلى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ليدون بعض الذكريات التي تمزج بين الجانبين السينمائي والسوريالي، وتداخل الأساطير بالوقائع والأحلام في بلاد الرافدين، ومساهمة ذلك كله في بلورة أحلام أبناء تلك المرحلة وحاضرهم الضبابي في منافيهم.
تتبدى الرواية (منشورات نينوى، دمشق 2016) مسكونة بروح شاب عاشق للسينما وتفاصيلها وصناعها، لتحتل الصدارة وجوه فاتناتها في تلك الحقبة، وأشهرهن بريجيت باردو التي كانت تشكل نموذج الإغراء والجمال لشباب من ذاك الجيل، ومسعاهم المتمثل في تغيير أحوالهم والتماهي مع أبطال الأفلام السينمائية، في حين أن واقعهم المأساوي كان مشبعا بالغرابة والضياع والتشتت، وكان الرزح تاليا تحت أعباء الحروب وظلالها الكارثية كفيلا بوأد الأحلام وتحطيمها.
ويحرض مهلهل من خلال الذكريات المستعادة على التأسيس لزمن يتخفف من أحقاد قاتلة، ورغم إشارته إلى أن رومانسية الحلم تناقض سوداوية الواقع فإنه يختار دربا يلجأ إليه في مسعى لتهيمن قوة الفن والجمال في مواجهة واقع القتل والرعب والانتقام في بلده.
يستخدم صاحب “فتاة حقل الرز” لغة شاعرية تناسب حالة التذكر وهواجس المهاجر القلق في زمانه ومكانه، الغريب الباحث عن وطنه الذي يمثل فردوسه المفقود، السائر في طريق العودة رغم ما تنتظره من مشقات كفيلة بتغريبه عن ذاته ومسقط رأسه ومهوى ذكرياته وأمانيه.
وتنـقــل “الجزيرة نت” عن مهلهل قوله أنه يشعر بأن كتابته لروايته هي كتابة لذكريات قلق الأمكنة وأحلامها، والهروب إلى لذة السينما من طواغيت أيامهم القديمة والجديدة التي لا تعرف سوى صناعة الحروب.
ويلفت إلى أن ما رواه كان رؤيا لما كان يتمناه هو ورهط كامل من جيل عاش ستينيات وسبعينيات القرن الفائت، وعلى صدى سيمفونيات العطر في أغاني أم كلثوم وشارل إزنافور وبين زوايا البوح الخفي لكتب سارتر وكولن ولسن ودواوين نزار قباني وسعال السياب وفرحهم الغامر مع ترجمة قصائد كافافيس لأول مرة.
يستدرك مهلهل أنه كان للسينما الجانب الخفي من الإبهار عندما كانوا يعيشون عزلة الماء والقصب في بيئة كانت أصلا هي الحاضنة الأولى لأولى الحضارات.
ويقصد بذلك بيئة الأهوار في الجنوب العراقي حيث عين معلما، وهناك كان غرام ممثلات السينما يسكن بهجتهم الصوفية والإباحية من خلال أغلفة مجلات عربية كانوا يعلقونها على جدران غرفهم الطينية لتكون أشبه بمعرض صغير تتعطر على جدرانه ابتسامات وصدور وإغراء ممثلات السينما.
يجد مؤلف “وردة بعطر الزقورة” أنه حين جاءت محطات التشتت والاغتراب والنأي عن البلاد بسبب فوضى الجنرالات واللصوص كان عليه أن يجعل من قوت المهجر الألماني وقودا لمدفأة الهروب من البرد واستعادة حنين تلك الأمكنة من خلال جلب تلك الذكريات وأغلفة مجلاتها عبر الحلم الذي تحقق فجأة وهو يضع قدمه على أرصفة باريس ويبحث بهمس وحذر عن الشقة أو البيت الذي تسكنه العجوز الفاتنة بريجيت باردو، فقط ليتأمل نافذة البيت حتى تعيد إليه تلك الذكريات تألقها وحماسها وتتحول إلى رواية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة