التطرف السياسي وعلاقته بالإرهاب

آراس حبيب
سياسي عراقي
لايخفى على أحد سيما المتابع المثقف والسياسي على أن التطرف هو حالة عامة موجودة داخل كل مجتمع وحزب وجماعة.فهو موجود غريزي يحمله كل فرد.فالانحياز للرأي والتشبث بالقناعات وحتى فكرة إلغاء الآخر ونفيه موجودة منذ وجد الإنسان، وستظل موجودة مادامت الحياة البشرية مستمرة، لأنه يتعلق بطبائع البشر وميولهم ونفسيتهم.
غير أن التطرف كظاهرة مجتمعية موجودة كيف يمكن التعامل معه بما يسد النوافذ لتوظيفه كواحد من تأجيج العنف وبالتالي صناعة الأرهاب وثقافة الموت؟اذا ما اعتبرنا ان اساس ألارهاب هو التطرف والمغالاة والتشدد.
أن مجتمعنا العراقي مجتمع تطرف وهو امر لاخلاف عليه لما شهده تاريخه الحافل بالصراعات والمنازعات على شتى الصعد.فتميز المجتمع بتعاقب الاحداث وتراكم المشاكل السياسية.وبذلك فأن التطرف لامحال يؤدي في الغالب الأعم إلي الإرهاب بل هو مقدمة له وبالتالي تكون المجتمعات المتطرفة حواضن للحركات الإرهابية.
وازاء ذلك فأن التطرف السياسي واحد من اهم عوامل تدعيم الارهاب بكل اشكاله.فلابد أن ينتبه السياسيون الى هذا الامر وذلك بضرورة السعي لتجاوز النزعات الذاتية والانانية والفردية التي من شانها ان تعزز من الحزبية والفئوية والتحيز السياسي.اذا ما أرادوا أن تحقق التجربة الديمقراطية مآربها الاساسية في بناء الوطن وخدمة الشعب وخلق حياة سعيدة ومجتمع حر.
اننا ومن خلال مراقبتنا لمسيرة العملية السياسية المتعثرة في العراق نجد أن من اهم عوامل اعاقة تحقيق الاهداف والغايات المنشودة من المنظومة السياسية المتمثلة بالاصلاح والتصحيح هو تشدد بعض الكتل السياسية وعدم تجاوزهم لأمور ضيقة لاتخدم الا احزابهم واهواءهم ومصالحهم.فضلا عن تمسك البعض بسياسة المحاصصة وتقاسم ارباح اللعبة السياسية وفق المصالح الشخصية والاطماع والسعي لتحقيق ثروات واموال على حساب مصالح الشعب ووحدة الوطن.
إن للتطرف الفكري وجهين؛ أحدهما مكشوف، والآخر مقنَّع، فكما يوجد التطرف الفكري المكشوف والذي يمكن تشخيصه من دون تعقيد، كذلك هناك التطرف الفكري المقنَّع الذي تضيع معه البوصلة، لا سيما إذا اتخذ صيغة علمية، وظهر بوجه حضاري، فيترك تأثيراً كبيراً وخطيراً في الشعوب والمجتمعات، وربما يصل إضلاله حد تصور أنه النهج الصحيح، وما عداه هو الشذوذ والخطأ، ونجد لذلك أمثلة كثيرة في ثقافات الأمم وحضاراتها، وليست الحضارة الغربية بدعا عن ذلك، فقد أُفرِزت فيما أُفرِزت من مفردات ثقافاتها من الشذوذ الثقافي الفكري ما حاولت تلبيسه بوجه حضاري اسهم وما يزال يسهم في إغواء الناس وإضلالهم.
ربما ليس في تعبير «التطرف الفكري» ما يوجب الشطط على مستوى إدراك المفاهيم وتشخيصها؛ لكن هذا التعبير قد ينطوي على ما يسبب الالتباس وربما الضياع عند إسقاطه على الواقع في مقام تطبيقه عليه.. إننا حينما نرجع إلى المادة اللغوية للفظ (ط، ر، ف) نراها قد استعملت في معانٍ شتى لا ينطبق الكثير منها على المفهوم الذي نحن بصدده، فقد يُطلّق تعبير التطرف على الشخص الذي لا يثبت على أمر أو رأي، وقد يطلق على المرء الذي ينسى القديم ويستطرف الجديد، وقد يطلق على الطيب الغريب، أو على المستحدث بنحو عام وإن لم يكن داخلا في المُحدَث المبتَدَع.. وليس لذلك كله ربط بالمفهوم الذي نحن بصدده.
إن تعبير «التطرف الفكري» بما ينطوي عليه من مضمون قد استُلّ من استعمال المادة اللغوية في التباعد والتنحي، فالمتطرف هو المتباعد إلى ناحية الشيء وطرفه، فاستُلَّ منه تعبير «التطرف الفكري» كمفهوم مشبّع بالسلبية؛ للتعبير عن الانحراف عن الاستقامة في الفكر والاعتدال في الفهم.
إن الخروج عن الاعتدال هو مفهوم واضح لا يقع في إدراكه التباس في الأذهان، وإنما يتحقق الالتباس وربما الضياع عند إسقاطه على الواقع، وعندئذ يقع الاختلاف في وصف فكر ما بالتطرف. ولقد تورط بعض الباحثين في هذا المنزلق وهو يعرِّف التطرف الفكري بأنه انتهاك قواعد ومعايير وثقافة المجتمع، وفاته أن تلكم القواعد والمعايير والثقافة التي يتبناها مجتمع ما قد لا تجسد الوسطية والاعتدال أصلا، أوَ ليست الرسالة الإسلامية السامية قد جاءت خروجاً على قواعد ومعايير وثقافة مجتمع الجاهلية آنذاك؟ فهل يصح في الفهم المستقيم أن توصف ب»التطرف الفكري»؛ لأنها انحرفت عن قواعد ومعايير وثقافة مجتمعها الذي انطلقت فيه؟
إننا نحتاج إلى وضع ضوابط موضوعية، ومعايير منهجية في هذا المجال؛ وإلا وقعنا فيما وقع فيه الكثيرون من الشطط على هذا المستوى وعلينا أن نذهب باتجاه عملية سياسية (وسط) بناء على أحكام الشريعة الإسلامية السمحاء التي دعت الى نبذ التطرف والتاخي مع كل الاديان الاخرى وهو السبب الذي دعا ان يؤسس الاسلام أنموذجاً لدولة بعيدة عن التطرف الديني والسياسي
لا شك في أن التطرف السياسي هو أمر سلبي لا مجال للنقاش في سلبيته؛ لكننا لن نكتفي بإدراك سلبية التطرف السياسي على نحو الإجمال، وإنما نريد أن نعرض آثاره السلبية، كي نمارس عملية التوعية التي يحتاجها الفرد والمجتمع لتجنب السقوط في منحدر التطرف،وبالتالي قد نفقد اسباب قيام نظام وحكومة ودولة حديثة متطورة قائمة على أسس ديمقراطية.لذا ندعو الى المحافظة على منهج الاستقامة والاعتدال.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة