قبيلة الوزير..!

لقد حذرنا من التوجهات التي برزت بعد التغيير لمواصلة التقاليد التي ترسخت زمن النظام المباد لاعادة الاعتبار والنفوذ للمؤسسات التقليدية (القبائل واشباهها) وهذا ما تطرقنا اليه قبل عدة سنوات في مقالنا عن باكورة المؤتمرات التي عقدتها القبائل (قبيلة عبادة) والذي جرى تحت رعاية غير مسبوقة من قبل رئيس مجلس الوزراء آنذاك السيد نوري المالكي، حيث لم يمر وقت طويل على ذلك الابتكار الباهر، حتى اقتفت باقي القبائل والعشائر خطى قافلة عبادة في اقامة مثل هذه النشاطات الحداثوية (المؤتمرات والكونفرنسات)، والتي حظيت باهتمام لا مثيل له من قبل الاوساط المختلفة ومنها الاعلامية، والتي لم يتوانى عدد منها من وصفها كقوة واعدة من منظمات المجتمع المدني وغير ذلك من العناوين المجانية.
آخر المآثر التي اجترحتها قبائل الفتح الديمقراطي المبين، هو ما حدث في المؤتمر الاخير لقبيلة وزير الدفاع الحالي السيد خالد العبيدي، والذي اقامته من اجل نصرة ابنها الوزير في محنته الحالية مع البرلمان وجولته الجديدة من الاستجواب. ذلك المؤتمر الذي كشفت فيه قبيلة الوزير عن قدراتها واستعداداتها للدفاع عما تراه حقوق طبيعية لها، ضد كل السلطات الغاشمة، ولم تستثن من ذلك ممثلي السلطة الرابعة، والتي دفعت ثمن فضولها وتطفلها على ذلك المؤتمر، حيث نقلت وسائل الاعلام والفضائيات مشاهد عن قدرات تلك القبيلة الرادعة لكل من تسول له نفسه في اثارة غضب القائمين على ذلك المؤتمر. مثل هذه الاحداث المؤسفة هي نتاج طبيعي لمثل تلك السياسات الخرقاء التي ما زالت متواصلة وبقوة في حقبة ما يفترض كونها (انتقالية) صوب الديمقراطية ودولة القانون..؟! مثل هذه المشاهد تؤكد لنا بقوة ما سوف نواجهه من احداث وتداعيات عندما نعول على مثل هذه القوى والمؤسسات التي انضمت لنادي المنقرضات منذ زمن بعيد، في مهمة بناء الدولة الحديثة، ذلك المشروع الذي ما زلنا نقف عند عتبته منذ الربع الاول من القرن المنصرم.
المطلعون على تاريخ العراق الحديث، يعرفون نوع التشريعات والقوانين التي رافقت ولادة الجمهورية الاولى، ومنها التشريعات التي حظرت العمل بالسنن البالية للقبائل، وفرضت بالقوة والوعي القوانين الحديثة المناصرة للمدنية، قرارات شكلت الهوية الفعلية للتحولات التي وضعت نصب عينيها مهمة نقل العراق الى ما يستحقه من تقدم وامن وازدهار، غير ان الثورة المضادة والردة الحضارية حولت الامكانية السلبية الى واقع استردت فيه القبائل والطوائف واجنحتها المسلحة؛ فتنتها وسطوتها. ما يحصل اليوم من نفوذ متزايد لهذه القوى المعادية للحداثة والتقدم، بمختلف ازياءها الطائفية والقبلية والجهوية والمناطقية والاثنية، هو نتاج لمشوار التشرذم الطويل الذي خلفه لنا النظام المباد وتلقفته قوى وكتل ما عرف بالمكونات، والتي تعد ذلك الارث معينا لها في ترسيخ هيمنتها ومصالحها الضيقة على حساب المصالح العليا للوطن والناس. ما نود ان نقوله يختصره المثل الذي نعرفه جميعا (رمانتين ابفد ايد ما تلزم)، فاما الديمقراطية والدساتير الحديثة أو تسليم امرنا الى سلطة القبائل والطوائف، رحمة بما تبقى لنا من مشتركات مع عالم البشر..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة