الأخبار العاجلة

سنستمر بدفع الثمن مرة ومرات

سنستمر بدفع الثمن مرة ومرات، وجيلاً بعد جيل، ونظاماً بعد نظام، وازمة بعد ازمة، وحكومة بعد حكومة، ما دمنا مستمرين كفكر سياسي، ومفاهيم وبناءات نظرية، وممارسات عملية، وشعارات وهتافات، وقوى سياسية حاكمة او معارضة، نقسم شعبنا الى قسمين. مخلصين ومتآمرين.. وطنيين وعملاء.. حملة مبادىء سليمة ومبادىء هدامة.. ثوريين وغير ثوريين.. بعثيين وغير بعثيين.. جاهليين ومؤمنين.. اسلاميين وعلمانيين.. صفويين وعثمانيين.. شيعة وسنة.. كرد وعرب وتركمان.. معنا او ضدنا، وقس على ذلك.
سيصعب فهم ما نقول للوهلة الاولى، لاننا اعتدنا هذا التقسيم، ونعتقده طبيعياً وصحيحاً.. فلابد من وجود اعداء، والعدو هو من اعتادت ثقافاتنا وصداماتنا السابقة على اطلاق هذه التسمية عليه.. وهو من يخالفنا ويشاكسنا، فلم يعرف حدوده معنا، ولا نعرف حدودنا معه، فنتعامل كالاعداء، بلغة ووسائل الاعداء، ونربي على ذلك، بأن لا حياة لبعضي الا بالقضاء على بعضي الاخر. وهكذا تدور الدوائر، من دون ان نعلم اننا في الوقت الذي نحارب الاخر، وفي الوقت الذي يحاربنا الاخر فان كلانا نبني جبهات بعضنا.. ونصلب قناعاتنا.. ونحطم الجسور فيما بيننا.. ونمزق أي مشترك يجمعنا.. ونفكك مجتمعاتنا وبلداننا.. ونؤسس لفتنة وانقسام لا أمل معهما باي تقدم او اصلاح، بل لا أمل معهما بأي قاعدة لعيش متناغم، آمن، بناء.
نعم الشعوب تنقسم وتنشق وتتحارب، لكنها عندما تصل الى نقطة او قناعة ان الاخر ضرورة لنده، عندها تُرسى الاسس الجديدة للتوليف وجمع المتضادات، كما تجتمع اللحمة والسدى لنسيج يقوي بعضه بعضاً، ويشد بعضه بعضاً.. ولقيام مجتمع ونظام يحمي مصالح الجميع على اختلاف توجهاتهم ومعتقداتهم ومصالحهم، على وفق عقد او عرف او فهم مشترك تنتظم فيه القوانين ويعرف كل حدوده وحقوقه وآفاقه، خطأه وصوابه، ما يشترطه القانون والاخلاق والاعراف والشرايع وما تمنعه.. فيصبح انقسام الامم المتصادم والممزِق والعدائي والمتحارب هو الاستثناء.. وتصبح الاختلافات والمتضادات طبيعية ما دامت في اطار وحدة كوحدة اللحمة والسدى، المتقاطعتين والمختلفتين في الاتجاه والتلاوين، واللذين يشكلان نسيجاً متكاملاً واحداً.. ويصبح الخروج على القانون والسلوك العام اموراً شخصية وعناوين فردية او عصبوية، وليست عناوين لشطرين وقسمين، لنستمر متحاربين من اجلها جيلاً بعد جيل.. ونظاماً بعد نظام.. وحكومة بعد حكومة.. وازمة بعد أزمة اخرى.
نعم، لا احد يقول ان الشعب عجينة واحدة، وانه لا يعيش الانقسامات والخلافات والاختلافات وليس فيه تدافعات ومنازعات ومصالح متباينة ووجهات نظر مختلفة حادة وعلى طرفي نقيض. لكن السؤال، هل هي خلافات ومنازعات سلمية وتصرفها قنوات للوصول بها الى نتيجة، ام هي خلافات لا تجتمع ومتنافرة ولا حل لاحدها الا بفناء الاخر، تماماً كما لا حياة لنا الا بموت «داعش».. او لا حياة لشعبنا الا بالقضاء على الفقر والجهل والجريمة والتخلف والفساد والارهاب.
نعتقد اننا كفكر سياسي وكقوى وتحركات ما زلنا نغلب النظرة الاحادية، وما زلنا ننتج الاعداء ونخسر الصداقات.. على وفق قاعدة ان الاخر عدو، وهذا نوع وذاك نقيضه.. فلا مشتركات ولا قواسم، ولا تربطنا سوى الكراهية والعداوة والبغضاء والتأليب والتسقيط.. وان الشعب بالضرورة قسمان. فنستمر على هذه الثقافة معتقدين ان ما نفعله هو الصحيح. وهي ثقافة برهنت الايام لكل عاقل، بانها لا تحمل أي افق، واصلاح، وتقدم. فنحن ننظر لوضعين مختلفين نظرة واحدة. ونقدم لهما علاجاً واحداً. فلا ننجح، بل نتراجع، وسنبقى نلوم ونخون بعضنا وندور في دوائر مفرغة. نحول اخواننا واقراننا وجيراننا واصدقاءنا وشركاءنا ومنافسينا الى اعداء. ونصرف وقتنا بالاقتتال اللفظي او الفعلي. ولا نستثمر خير بعضنا، ونغالي في نواقص كل منا. فتفوتنا الفرص، وندمر الامكانيات والطاقات والثروات، ونمنع عن البلاد مراكمة الايجابيات والمكاسب، لنراكم الهزائم والخرائب والمفاسد.
ان الشجاعة السياسية هي ليست في المعارك اللفظية والصراخ والصراعات العقيمة.. بل الشجاعة ان نتقدم الصفوف في المعارك ضد الاعداء الحقيقيين ان كانوا مستعمرين او ارهابيين او ظالمين، وفي المعارك ضد الفقر والتخلف والجهل والفساد والجريمة.. والشجاعة السياسية هي ان ننأى بانفسنا عن أي صراع عنفي او تسقيطي بين قوى شعبنا، ومهما كانت الاختلافات بيننا.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة