أمانة بغداد: منزل ساسون حسقيل «لم يعد تراثياً« وقد منح للاستثمار

هدم منزل مؤسس النظام المالي العراقي
إعداد ـ زينب الحسني :

أعلنت أمانة بغداد أول امس الجمعة منح منزل مؤسس النظام المالي في العراق وأول وزير مالية في حكوماته ساسون حسقيل وسط بغداد لأحد المستثمرين بعد هدمه، وعدت المنزل «غير تراثي».
وقال حكيم عبد الزهرة مسؤول الإعلام في أمانة بغداد في تصريح صحفي: ان «المنزل الذي يعود لأول وزير مالية في الحكومة العراقية ساسون حسقيل، موثّق ضمن سجلات أمانة بغداد ويعود إليها».
وان «المنزل غير تراثي بحسب كتاب دائرة التراث، الذي أكد أنه لم يعد تراثياً».
وأضاف عبد الزهرة،: «المنزل شيّد قبل 100 عام في شارع الرشيد، وسط بغداد، ومنح حالياً لأحد المواطنين لاستثماره»، مؤكداً أن «الاستثمار جرى بنحو قانوني».
هذا واتهمت وزارة السياحة والآثار أمانة بغداد بـ»التجاوز على القانون» باستثمار منزل تراثي.
وقال سعد حمزة رئيس قسم التحريات التراثية في دائرة الآثار والتراث التابعة لوزارة السياحة والآثار،: «هناك جدل بشأن قضية منزل أول وزير مالية في الحكومة العراقية ساسون حسقيل»، مستغرباً «من اعتبار المنزل غير تراثي من قبل أمانة بغداد».
وعد حمزة، هدم المنزل ومنحه لمستثمر «تجاوزاً من قبل أمانة بغداد على القانون»، مؤكداً أن «المنزل يتكون من جزأين (16 – 17) أحدهما يعود لوزير المالية والآخر لنجله ألبيرت ساسون حسقيل».
ولد ساسون حسقيل في بغداد في 17 آذار 1860، وهو ينتمي لأسرة يهودية بغدادية قديمة عرفت بالثروة والتجارة، ويقع منزله على ضفاف دجلة في شارع الرشيد قرب جسر الأحرار، وكان والده الحاخام حسقيل بن شلومو بن عزار من رجال الدين اليهود المعروفين.
قصد ساسون حسقيل إسطنبول في بداية عام 1877 وانتسب إلى المدرسة السلطانية في (غلطة)، ثم مضى إلى فيينا عاصمة النمسا ودرس في الأكاديمية القنصلية، وبعد تخرجه من تلك الأكاديمية سافر إلى برلين ولندن، ثم عاد إلى إسطنبول ونال إجازة الحقوق، وعاد في بداية عام 1920 إلى بغداد فعيّن كأول وزير مالية للعراق، وذلك في حكومة عبد الرحمن النقيب في آذار 1921.
وقد احتفظ بمنصب وزارة المالية 5 مرات آخرها في عهد ياسين الهاشمي 4 آب 1924 ولغاية 25 حزيران 1925، وانتخب نائباً عن بغداد في تموز 1925، وجدد انتخابه في أيار 1928 وفي تشرين الثاني 1930، وقد ترأس في المجلس النيابي رئاسة اللجنة المالية واللجنة الاقتصادية حتى وفاته في 31 آب 1932.
اعد ساسون من الشخصيات المهمة في تاريخ العراق المعاصر، وقد حرص على التقاليد البرلمانية الصحيحة وتطبيق النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي، وقد وصفته المس بيل بأنه «أقدر رجل في مجلس الوزراء، هو صلب قليلاً وينظر إلى الأمور من وجهة الحقوقي الدستوري من دون أن يعطي اعتباراً كافياً لأحوال العراق المتأخرة، ولكنه حر ونزيه إلى أبعد الحدود».
ويعد ساسون أشهر وأنزه وزير عراقي في تأريخ الحكومات العراقية المتعاقبة، فكان أول وزير مالية عراقي , وقد أسهم بنحو كبير في وضع الأسس الصحيحة لقيام الاقتصاد العراقي وبناء ماليته على وفق نظام دقيق، وخير دليل على ما نقول هو سجلات مفاوضات النفط مع الإنجليز، حينما اشار على المفاوض العراقي إضافة كلمة (ذهب) على جملة (اربعة شلنات) عند احتساب عوائد النفط، لكي يضمن استقرار نسبة العوائد.
عرف عن ساسون أنه كان متشددًا في محاسبة الموظفين والمسؤولين، حتى الملك فيصل الأول والحكومة البريطانية، كان لا يترك لهم ثغرة يسيئون فيها لمالية البلاد، ومن هنا جاءت الكلمة المترددة على ألسنة الكثير من العراقيين ( يحسقلها …. تريد تحسقلها عليّ!)…. (بمعنى يتشدد في المحاسبة).
كما يُروى عنه بأنه كان سريع الغضب مع الموظفين إذا وجد منهم أي تهاونًا أو تقصيرًا، وهنا يذكر (مير بصري) أن (صفوت باشا) حدثه حينما كان ناظراً للخزينة الملكية الخاصة عن نفقات فصل البريد والبرق المخصصة للديوان الملكي عام 1925، أنها نفذت قبل أشهر من ختام السنة، فقد كانت الحرب الحجازية النجدية قائمة والبرقيات ترسل يوميًا من البلاط الملكي العراقي إلى (الملك علي) في الحجاز لمعرفة الموقف الحربي، فكتب الديوان الملكي إلى وزارة المالية يسأل الموافقة على نقل مبالغ من فصل أخر في الميزانية المصدقة إلى فصل البريد والبرق تلافيًا للمصروفات الطارئة. وهنا قال ( صفوت باشا):” دخل على وزير المالية ساسون أفندي ثائرًا منتقداً كثرة النفقات ومعترضاً على نقل الاعتماد، فحاولت تهدئته وقلت له: أن جلالة الملك في الغرفة المجاورة.
وفي اليوم الثاني سألني الملك: لماذا كان ساسون هائجًا بالأمس؟وحينما أوضحت له الأمر، قال: أنهُ مبتهج ومسرور من موقف وزير ماليته وصلابته وحرصه على التمسك بالقواعد المالية والحرص على خزينة الدولة».
حاول ساسون قبل وفاته ان يختم حياته بمنجز من منجزاته الكثيرة وحاول وضع خطة دقيقة من أجل إصدار عملة عراقية وطنية، وسعى جاهداً من أجل تحقيق ذلك ساعده يهودي آخر هو إبراهيم الكبير مدير عام المحاسبة المالية آنذاك، وبالفعل فقد تم ذلك عام 1932 م وأصبحت النقود العراقية هي المتداولة بدلًا من الروبية الهندية والليرة التركية.
قضى ساسون حياته عازباً من دون أن يتزوج، ومات وهو أعزب، وقدجمع مكتبه فخمة تعدَّ من أكبر المكتبات الشخصية في بغداد، وكانت غنية بشتى الكتب باللغات العربية والتركية والإنكليزية والفرنسية والألمانية، وقد استولت الحكومة العراقية عام 1970 .وودعتها ضمن مكتبة المتحف العراقي، ضمت كتباً متنوعة وبلغات عديدة منها الإيطالية والإنكليزية والألمانية والتركية والإسبانية والعربية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة