عاما العبادي..(1) انكفاء المخاطبة

/عندما اختير الدكتور حيدر العبادي في11 آب 2014 لمنصب رئاسة الوزراء راهنّا، نحن الذين عرفوه وتابعوا مواقفه (وانا منهم) على انه سيتخذ طريقة مغايرة واحترافية في مخاطبة الرأي العام، وهي من بعض لوازم الكاريزما التي توسمناها به، وتمنينا، لكي ينجح، ان يتجنب الإكثار من الخطب، ومن اطلاق الاحاديث والتصريحات وبخاصة تلك التي تنطلق من ردود ألافعال، او التي تحمل اتهامات مبطنة للشركاء سرعان ما تشحن الجو السياسي بالتشويش، على طريقة «هم يعرفون انفسهم» او على وفق «البعض من الاطراف» أو «لدينا عليهم براهين لمخالفات» وهي مفردات رثة درج الساسة والمسؤولون على تلغيم المعابر بها،
/والحق، ان الرجل برر، وطوال المرحلة الاولى، هذا الرهان الطموح، وكان واضحاً انه وضع عقيدة حكم راشدة ومهنية وتصورات لـ»خطاب الدولة» موضع التطبيق، وذلك بالحصانة ضد اغواءات الظهور الاعلامي المفرط والباذخ، والنأي عن منهج تلغيم الجسور مع الاخرين، واثارة الخصومات الفئوية، كما اتسمت قراراته وادارته المبكرة للازمات وعمليات اعادة البناء بنوع من التماسك والصبر وتشغيل العوامل المساعدة، وحقق بذلك خطوات طيبة يشار لها بالبنان في بعض مسارات الاصلاح والتجديد والاداء، وكان سيحقق المزيد مما كان مرسومًا لو انه مضى قدماً في البناء على الخطوات الاولى الرشيدة والتزام الحيطة حيال مصدات تفننت في خلق تردد صار سياسية وانتهى الى نزعة، ثم الى انكفاء.
/ان اكثر المعاطب هنا اصابت سلامة المخاطبة، فان كثرة ظهور رئيس الوزراء على شاشات التلفزة والافراط في تسويق الخبر الرسمي، واعادة انتاج اوهام الرخاء المقبل في معلبات الوعود، وتكريس منافذ «الاعلام الرسمي» الذي يفترض ان يكون للدولة والمجتمع لأنشطته ولقاءاته البروتوكولية مهما كانت شكلية ولا منفعة منها، خلق المحذور المناقض للدستور بانهاء هوية المخاطبة عبر الاعلام الممول من الميزانية العامة بوصفه اعلامًا للدولة لتكون مخاطبة حزبية فئوية بالالوان الطبيعية، بل مخاطبة لفريق معين من الحكومة إذا ما شئنا الدقة.
/في لقاء مع اكثر من عشرين من الاعلاميين (وكاتب السطور احدهم) كان رئيس الوزراء يرد على ملاحظات عن ضعف خطاب الحكومة وتهافته وعجزه عن مواجهة اعلام الجريمة والعنف والارهاب، فقال قاطعاً المناقشة «هل سمعتم اعلاماً حكومياً به خير؟» وهذا ما يفيد في رصد تناقض اللوحة التي تحركت فيها «المخاطبة» الرسمية في مرحلة انكفائها.
**********
«سُئل بعض شيوخ بني امية عقيب زوال حكمهم: ما كان سبب زوال حكمكم؟ قال: إنا شُغلنا بلذاتنا عن تفقّد ما تفقّده يلزمنا، فظلمنا رعيتنا، فيئسوا من انصافنا، وتمنّوا الراحة منّا.. وكان استتار الاخبار عنا من اوكد اسباب زوال ملكنا».
عن كتاب “مروج الذهب»
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة