الأخبار العاجلة

اختصاص دغدغه

مع استمرار هذه الشروط والمناخات والاهتمامات، بفرض هيمنتها على مزاج وقرار غالبية سكان هذا الوطن المنكوب، لن استغرب ان دخلنا التاريخ بوصفنا اول المجتمعات التي التحقت بقائمة المنقرضات وهي ميتة بسبب الضحك المتواصل. دققوا قليلا بنوع الاختصاصات التي تجيدها جميع القوى والكتل والزعامات المهيمنة على المشهد الغرائبي الراهن؛ ستجدونهم جميعهم اسطوات في اختصاص (دغدغدة الغرائز المتدنية للحشود). وسط هذا الكرنفال الوطني للضحك على بعضنا البعض الآخر، نتعرف مع كل فصل جديد على ابطال ومواهب اضافية في هذا الاختصاص. أحدث تلك الفصول واكثرها اثارة برز مؤخرا على خشبة مسرح السلطة الاولى في البلد (مجلس النواب) حيث اتاحت لنا جلسة استجواب وزير الدفاع العراقي السيد خالد العبيدي، فرصة التعرف على موهبة صاعدة في هذا المجال، عندما حلت روح المغفور له جورجي ديمتروف الزعيم التاريخي للبلغار (حول جلسة محاكمته من قبل النازيين بتهمة حرق الرايغستاغ (بناية البرلمان الالماني) الى محاكمة لجرائم النازيين) على خطاب وزير دفاعنا، الذي حول جلسة الاستجواب الى هجوم مضاد على رئيس مجلس النواب وعدد من النواب والسياسيين ورجال الاعمال، لتنضم الجلسة الى مآثرنا السابقة في انتاج حفلات الهرج والمرج.
بالتاكيد لا ينبغي علينا استغراب ماحصل، كما هي كل آليات وقواعد النظام الديمقراطي وتقاليده، التي تحولت عندنا الى ما يمكن ان نطلق عليه بـ (مسخ الديمقراطية)، فالاستجواب تترجمه ثوابتنا وتقاليدنا العتيدة؛ الى ممارسة تذل وتهين من يتعرض لها (قناعة كلا الطرفين)، لذلك نشاهد قبح تجلياتها في التطبيق، بعد اهتزاز الشوارب على ايقاع (يا لثارات كليب) لتتحول مثل هذه الممارسات السياسية المجربة والراقية، الى معول آخر على طريق تعميق متاريس التشرذم والضياع بهمة فرسان الشعبوية الجديدة. ما الذي حصلنا عليه من هذا الاستجواب، غير المزيد من الصولات الاستعراضية والمزاودات المملة، التي تزود الثقافة القطيعية بما تحتاجه من علف يسد متطلباتها العابرة ويسكن جوعها الخامل ومفاصلها المتكلسة من الانتظار الطويل لحصول المعجزات. غير القليل من اليائسين من رحمة الاقدار، وجدوا ضالتهم بشخص السيد وزير الدفاع، بوصفه المنقذ لهم من سلطة اخطبوط الفساد وطيحان الحظ المرافق لهم منذ عقود، رغم التجارب المريرة التي تذكرهم بما حل بهم عندما استجاروا من الرمضاء بالنار. البطل الجديد وبدلا من تقديمه المثال على التزامه بقواعد اللعبة الديمقراطية (الاستجواب) لجأ الى الملاذ المجرب عند المحن (الدغدغة) عبر غضب كاسح ومفاجئ ضد اطراف وشخصيات محددة من المشاركين في الوليمة الازلية، ليخرج بعد ذلك لزيارة المراقد الدينية في الاعظمية والكاظمية وغيرها من الاماكن بطريقة استعراضية مكشوفة، لا علاقة لها بالتقوى والزهد وما تمثله رمزية تلك المراقد والسيرة الواقعية للامام موسى الكاظم والامام ابو حنيفة النعمان.
فساد الطبقة السياسية لا يدعونا الى الاستعانة بالعسكر ونبذ النظام الديمقراطي الذي يحتاج منا الى التعاطي معه كمنظومة متكاملة لا تقبل الانتقائية والمزاجية، كما حصل معها في عراق ما بعد “التغيير” وعلى قادة المؤسسة العسكرية والامنية المتورمة ان يدركوا قبل غيرهم مخاطر تدخلهم في الشان السياسي والحزبي والذي لا يقل فتكا عن الانخراط الواسع لشريحة رجال الدين فيه. علينا ان نتعلم جميعا قواعد هذه اللعبة المجربة لفك الاشتباكات، وان نتفق على حمايتها عبر التشريعات التي تنتصر للمنحة الديمقراطية (آليات وفلسفة) من نزق موروثاتنا المثقلة بالدغدغات ودقلات اليائسين من رحمة الله.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة