الفرد الموسوعي

كامل السالمي

في الأعمال الموسوعية للأفراد، ونذكر على سبيل المثال من الراحلين، عبد الوهاب الكيالي، الذي أنجزَ (الموسوعة السياسية)، وعبد الوهاب المسيري وموسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية)، نكون أمام باحثين من طراز خاص ونادر، شُغِفَ بالبحث العلمي بشكلٍ موسوعيٍّ، على خلافِ الباحثين الذين يتخصصون في الفروع.
كابدَ شيخ المؤرخين العرب قرابة أربعين عاماً من العمل المضني حتى أنجزَ موسوعَتَي (تاريخ العرب قبل الإسلام) بثمانية مجلدات، و(المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) بعشرة مجلدات، وصدرت أيضاً في العام 2001 في عشرين جزءا.
ومسيرة عمل تمتد طوال هذه الفترة، لابد أنها مضنية، فقد أخذت من عُمْرِ جواد علي نصفَه، حيث أبصر النور في الكاظمية بالعراق عام 1907م، وغادرنا في العام 1987م.
يقرُّ المؤرخ الراحل بمشقةِ مشروعه فنجدهُ يقول: «أنا تعبت.. فالرحلة عسيرة طويلة، والتاريخ مثل بقايا سد مأرب وغار حراء وليل بغداد العباسيين»، وبالرغم من إقرارهِ، إلا أنه لم يُسقط راية التاريخ من يدهِ، وبقي يعمل على حفرياته التاريخية، رغمَ مرضهِ، وكبر سنه.
ويعتقدُ صاحبَ (المفصل) أن العمل الفردي، أفضلَ من نظيرهِ المؤسسي، مستشهداً بالتاريخ، وبحسب الواقع العلمي، فإن «التاريخ هو تقدم جاء نتيجة جهد مؤرخ فرد موهوب متمرس في فنه أكثر من نتيجة عمل لجان من المؤرخين».
وموسوعة الثانية بالمناسبةِ تختلفُ عن الأولى، وفي هذا السياق، يشير جواد علي في مقدمة (المفصل) إلى أنه يختلف عن عملهِ الأول «في إنشائه، وفي تبويبه وترتيبه، وفي كثير من مادته أيضاً، فقد ضمّنته مادة جديدة، خلا منها الكتاب السابق، تهيأت لي من قراءاتي لكتابات جاهلية عُثر عليها بعد نشر ما نشرت منه، ومن صور كتابات أو ترجماتها أو نصوصها لم تكن قد نشرت من قبل، ومن مراجعاتي لموارد نادرة لم يسبق للحظ إن سعد بالظفر بها أو الوقوف عليها، ومن كتب ظهرت حديثاً بعد نشر هذه الأجزاء، فرأيت إضافتها كلها إلى معارفي السابقة التي جسدتها في ذلك الكتاب».
ويتضحُ من مقدمة المفصل، أن المؤلف، تجشم عناء التحدي لوحدهِ، دون أن يلتفت إليه أحد، أو يساندهُ، فيقولُ حولَ موسوعتيه: هما عمل فردٍ عليه جمع المادة بنفسه، والسهر في تحريرها وتحبيرها، وعليه الإنفاق من ماله الخاص على شراء موارد غير متيسّرة في بلاده، أو ليس في استطاعته مراجعتها بسبب القيود المفروضة على إعارة الكتب، أو لاعتبارات أخرى، ثم عليه البحث عن ناشر يوافق على نشر الكتاب، ثم عليه تصحيح المسودات بنفسه بعد نجاحه في الحصول على ناشر، إلى غير ذلك من أمور تسلبه راحته وتستبد به وتضنيه، ولولا الولع الذي يتحكم في المُؤَلَّفَيْن في هذه البلاد، لما أقدم إنسان على تأليف كتاب.
ورغم مشاق العمل الفردي، إلا أن جواد علي يدركُ دورهُ، ويرى أن هذا تاريخنا العربي الذي يجب أن نُعنى بدراسته، فيقولُ بأسى: إن مما يثير الأسف -والله- في النفوس أن نرى الغربيين يعنون بتأريخ الجاهلية ويجدّون في البحث عنه والكشف عن مخلفاته وتركاته في باطن الأرض، ونشره بلغاتهم، ولا نرى حكوماتنا العربية ولا سيما حكومات حزيرة العرب، إلا منصرفة عنه.

مؤلفات أخرى لجواد علي
تضمن منجز الدكتور جواد علي علاوة على المسوعتين، أبحاث، ودراسات، وكتابات أخرى، إلا أنه وبعدَ أن أنهى موسوعتيه، أخذَ في تأليف أعمال جديدةً، كان منها (تاريخ العرب في الإسلام – السيرة النبوية)، الذي كان يمكن أن يكونَ موسوعيًّا مثل أعمالهُ السابقة، إلا أن المؤرخ جواد علي توفي، وتوقف بذلك عطاؤهُ العلمي.
ألفَ الراحل كتاباً عن (الصلاة في الإسلام)، والذي ينشر لأول مرة بحث في تأريخ الصلاة في الإسلام، يبين متى فرضت، وكيف تطورت، ليقف القارئ على منشأ عبادة هي ركن من أركان الإسلام، وقد قارن المؤلف بين الصلاة في الإسلام والصلاة في الديانتين اليهودية والنصرانية، كاشفا الصلوات المشابهة في الديانتين المذكورتين.
ويحدد المؤلف في بداية الكتاب الموارد التي استند إليها في كتابه، ثم يبدأ في تناول لفظ «الصلاة» معناه ودلالته، ثم يتطرق بشكل منفصل متصل إلى كل ما يتعلق بالصلاة شكلها وأوقاتها، الآذان، الطهارة والوضوء، القبلة، التيمم، الفاتحة في الصلاة، الكلام في الصلاة، صلاة الجمعة، صلاة العيدين، إلى آخره. يرى د.جواد علي في مقدمته أن القرآن الكريم الذي أمر بالصلاة، لا يتعرض للشروح والجزئيات، لذلك لزمت الاستعانة بكتب الحديث والتفسير وأسباب النزول ثم بكتب السير والأخبار.
ومن كتبه؛ (موارد تاريخ الطبري)، وهو بحث موسع نُشر على حلقات في مجلة المجمع العلمي العراقي، وجمع لاحقاً وأصدرته وزارة الثقافة والإعلام السعودية عن إصدارات (المجلة العربية)، ويتناول الكتاب المصادر التي اعتمد عليها الطبري في تاريخه، ومدى وثاقة تلك المصادر من عدمها. ويحدد كذلك مصادر النقل التي استقى منها الطبري سواءً من كتب أو من أشخاص أو بروايات معنعنة. ولا يخفى على الدكتور جواد أن الطبري وقع في بعض المطبّات، مثل: أنه لا يعنعن بعض الروايات مع حاجة العنعنة في بعضها، في حين أنه – الطبري – من العلماء الأجلاء، حيث سبق له وأن ألف كتاباً في التفسير، وله حضوره في علم الحديث كذلك.
وله أيضاً من الكتب؛ التاريخ العام (بغداد 1927 )، أصنام العرب (بغداد 1967)، معجم ألفاظ المسند، و(المهدي المنتظر وسفراؤه الأربعة) وهي رسالته في الدكتوراة (هامبورغ 1938)، وقد كتبت باللغة الألمانية وترجمها إلى العربية الدكتور الجزائري أبو العيد دودو عام 2005م، وطبعها في مدينة كولونيا بألمانيا، وله مع الدكتور احمد سوسة والأستاذ بهجت الأثري خارطة الإدريسي المعروفة بـ (صورة الأرض) وطبعت عام 1951م.

الخاتمة
مقابل هذه الصورة المشرقة لجواد علي، فثمةَ صورةٌ أخرى تصيبنا بالخيبةِ؛ إذ أن مؤرخاً بهذا الحجم، الناقلونَ عنهُ كثرٌ، والمستفدون منه كثرٌ أيضاً، بيدَ أنه، ورغمَ ذلك، لم يحظَ في ذكرى وفاته في العام 2007م بـ «مئويةٍ» احتفاليةٍ تستذكر إرثه، على غرار ما أقيم من قبل في القاهرة لجون بول سارتر في ذكرى وفاته.
يستحق جواد علي بعدَ أن ترك لنا ما ترك، تكريماً يليقُ بهِ، رغم أن الرجل لم يطلب في حياته أمر كهذا، لكن، أرى أن في هذا التكريم، تكريمٌ لنا، ولذاكرتنا، لا سيما وأن منطقتنا العربية اليوم، تمرُّ في حالةٍ من الوهنِ، والضعف، وطمسٍ للهوية، والتاريخ، وكل ما هو مشرق.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة