هدوء ما بعد النهاية !

الفيلم الألماني السياسي: أسطورة ريتا
مهند النابلسي
انها الأجواء الثورية الفوضوية لألمانيا الغربية بسبعينات القرن الماضي، حيث تنضم ريتا فوغ (بيبيانا بيغلاو) للجيش الأحمر الألماني، لما كان يسمى في حينه «مجموعة بادر ماينهوف» التي تمثل الحركة اليسارية المسلحة. وتسعى بذلك لتحقيق العدالة حسب منظورها، وحتى تكون قريبة من حبيبها أندي(هارلد شروت)…ثم بعد سنوات، ترى ريتا ان الحركة باتت على عتبة التفكك والانهيار، فتفر الى المانيا الشرقية (من خلال محطة القطارات الشهيرة «فريدريش شتراسة» ببرلين المقسمة)، حيث تتمكن من الحصول على هوية جديدة بمساعدة من عميل «الستازي» ايروين هال (مارتن واتكي)، وتلتحق بوظيفة في احد المعامل، وتسعى جاهدة للاندماج بالطبقة العاملة بألمانيا الاشتراكية لتحقيق انطباعها «الرومانسي» عن الحياة بالدولة الاشتراكية «الفقيرة نسبيا»، الا أنها تجد أن زميلتها وصديقتها الجديدة بالمعمل تاتيانا (ناديا أول) تعمل بدورها على الهروب للغرب (لألمانيا الغربية)، لأنها تعتقد أنه أكثر رفاها وأحسن ظروفا ورغدا! وحين يعرض تلفزيون ألمانيا الغربية صورة لريتا، تبادر للفرار والهروب من جديد، وتتخذ هوية جديدة ، وتنتقل لمدينة جديدة في ألمانيا الشرقية حيث تقع في حب الطالب الجامعي بوشن (ألكسندر باير)، الذي يقنعها بالانتقال معه لموسكو…لكن الأحداث تتلاحق، فيسقط جداربرلين فجأة، وتنتهي ألمانيا الشرقية ككيان وكذلك هوية ريتا الجديدة!
الفيلم لا يحاول اظهار أن «ريتا» بريئة كما تبدو، فقد قتلت شرطيا أثناء هروبها كما انها كانت تحمل مسدسا بلا ذخيرة اثناء فرارها للقسم الشرقي من برلين، وعاشت فترة بلبنان، وعندما ألقت بعمال مصنع النسيج كلمة حماسية حول مثاليات الاشتراكية التي تكاد تفسد عند التطبيق والممارسة العملية، نظر اليها العمال وكأنها مجنونة!…الفيلم يتطرق لحالة «انهيار القناعات» السياسية في نهاية العقد الأخير للحرب الباردة التي دوخت العالم، وتكاد تعود الان الثانية بصورة أقسى وأشد ضراوة مع تداعيات الربيع العربي الخائب، وسيطرة الدواعش «الارهابيين» على أجزاء من العراق وسوريا، ومع تداعيات الأزمةالاوكرانية على الحدود الروسية…
هذا الفيلم الألماني بامتياز مقتبس عن قصة حقيقية ، كتب قصته واخرجه المخرج الألماني الشهير «فولكر شوندورف»، هو سرد روائي ممتع وشيق ويتطرق بذكاء لحيوات وعذابات هؤلاء اللذين يسعون لتغيير هوياتهم من دون ان يهتموا بتغيير مبادئهم، كما يتطرق لسيكلوجية «اليساريين المزيفين» اللذين يغيرون انتمائهم السياسي حسب أهوائهم ومصالحهم. ويخوض «بعمق سينمائي» شيق للأوهام والقناعات والأهواء بدون ان يلجأ للفذلكة والتفسير والايحاء، وهذا يعطية نكهة «واقعية» وصبغة «فنية» نادرا ما نجدها في الأفلام السياسية، التي تلجأ أحيانا للمباشرة والوعظ والخطابة، وان كان يحاول التأكيد على واقع اضطهاد كلا النظامين «الغربي والاشتراكي» لحقوق الانسان عموما ومحاولة شيطنة «الطرف الاخر»، كما أنه لا يتردد باظهار أنماط «رمادية ومملة وخشبية» بائسة لواقع الحياة بألمانيا الشرقية، التي انهارت أخيرا بتأثير «الغزو الفكري والبروباغندا الغربية» الساحقة مع الانهيار المتتابع للاتحاد السوفيتي ولدول المجموعة الاشتراكية بتسعينات القرن الفائت، وحتى نكون منصفين فقد تم ذلك داخليا بتأثير عناصر: المركزية والبيروقراطية والفساد و»تحكم ودكتاتورية» الحزب الواحد وانعدام فرص الحياة الرغيدة والرفاهية (مقارنة ببرلين الغربية على سبيل المثال)، كما أن برامج أمريكا المكلفة المتمثلة بمشروع «حرب النجوم» وحتى مشاريع الناسا الطموحة لغزو الفضاء، بالاضافة لخبث ريغان «اليميني-الداهية»، كلها ساهمت مع تداعيات غزو أفغانستان والدعم الخليجي المتدفق للجهاديين العرب (وبمقدمتهم بن لادن)، ناهيك ربما عن التآمر الداخلي وتواطؤ «غورباتشوف» الخفي بمشروع «البروستريكا»، كلها ربما قد ساهمت بانهيار «دراماتيكي» متلاحق للاتحادالسوفيتي والمجموعة الاشتراكية، ونأمل ان يتحفنا مخرج عبقري بقادم الأيام بتحفة سينمائية توضح كل هذه الملابسات قبل فوات الآوان!

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة