كارثة رابعة

عند الامم التي عرفت مغزى استقلال السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) تم الاحتفاء بالدور المهم الذي نهضت به المؤسسات الاعلامية، لتمنح لقب (السلطة الرابعة) تقديرا لما قدمته صاحبة الجلالة وباقي المؤسسات المتجحفلة معها، على طريق تنوير المجتمعات وتقديم المعلومة وتسليط الضوء على التحديات الواقعية لعصرها. ومع تطور وسائل الاتصال وظهور التقنيات الحديثة في هذا المجال، وجد غير القليل من المتابعين والمختصين في هذا المجال الحيوي، بان سلطة الاعلام بدأت تصبح شيئا فشيئا السلطة الاولى من ناحية الدور والمكانة والتاثير في صناعة الرأي العام وبالتالي صيرورة باقي السلطات. ذلك هو المشوار الطبيعي الذي قطعته المؤسسات المسؤولة عن تقديم ما يمكن ان نطلق عليه؛ اوكسجين الحياة الحديثة اي (المعلومة) الى المجتمعات (افرادا وجماعات) كي يتمكنوا من مواكبة متطلبات العيش على هذا الكوكب الذي حولته الثورات القيمية والتقنية الى قرية.
لكن ما الذي نشاهده على تضاريسنا المنكوبة في هذا الحقل الحيوي (الاعلام)، وهل تنطبق عليه تسمية السلطة الرابعة، أم انها تستحق لقبا آخر ينسجم وما تنهض به من أدوار ووظائف، تركت آثارا واضحة على مصائرنا زمن النظام المباد وبعد زواله؟ لا يمكن ان ننكر حجم الطفح الهائل من المطبوعات والفضائيات والاذاعات وباقي وسائل الاتصال السمعبصري وشبكات التواصل الاجتماعي التي هطلت علينا بعد الفتح الديمقراطي المبين. لكن وسط كل هذا الكم الهائل من وسائل الاعلام، هل بامكاننا العثور على وسيلة واحدة تتمتع بشروط المهنية والاستقلال لتنتسب لنادي السلطة الرابعة حقاً؟ هذا وغيره من الاسئلة لابد من طرحها وسط هذه الاجواء المتخمة بالخواء والغطرسة التي تميز حطام البشر المهيمن على مفاصل هذا الحقل الحيوي في حياة المجتمعات والامم.
على الرغم من كل هذا الصخب والضجيج في المشهد الغرائبي الراهن، والاستعراضات المجانية في الموقف من الارهاب والفساد وغير ذلك من الاسطوانات المشروخة، والتي تنهض وسائل الاعلام بقسطها الاعظم، الا انها لا يمكن ان تخفي الادوار الحقيقية لها، بوصفها لا المكمل لفساد السلطات الاخرى وحسب، بل هي الاشد فتكاً، لان غالبيتها العظمى قد باعت روحها ووظيفتها الاساس في مثل هذه المنازلات التاريخية، لصالح كيس الدراهم وثوابت هذه المجتمعات وتقاليدها في العبودية والمسخ والاستبداد، وهذه المرة خلف الواجهات الشعبوية الجديدة. من المؤلم مشاهدة العراق “الجديد” وهو يتحول بهمة هذه القوارض “الاعلامية” الى وطن مستباح من كل اوباش وحثالة الاقوام والمجتمعات والدول. ما حصل ويحصل منذ لحظة التغيير حتى الآن، لا يمكن رميه على شماعة السياسيين الفاسدين ومؤامرات الشياطين الكبيرة والصغيرة، من دون الالتفات الى “حصان طروادة” المتستر بالصراخ والزعيق وقدراته المجربة في مجال القاء التهم على الآخر المختلف وشيطنته، الى ما يجب ان نطلق عليه (الكارثة الرابعة) بوصفه امتدادا للكوارث الثلاث التي حلت على العراق بعد “التغيير”. لن يجدي نفعا اقتفاء اثر النعامة في مواجهة الحقائق والمخاطر التي لم تنفك عن نهشنا منذ عقود، وخاصة بالنسبة للعاملين الحقيقيين في المهنة الاكثر نبلا وخطرا في عالم اليوم، لا مناص من مواجهة الملامح والادوار الفعلية لمسوخ الكارثة الرابعة قبل ان نرمي الفاسدين بحجر..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة