حديث العلمانية (2-2)

/ الحق، ان الدعوة الى العلمانية لدى المجتمعات الاسلامية انطلقت في الوقت الذي تعذر اقامة الدولة الدينية على وفق مقولة العالم المودودي «الحكومات لا تستحق طاعة الناس إلا من حيث أنها تحكم بما أنزل الله» فان الغالبية الساحقة من الحكومات الاسلامية المطاعة لم تحكم بما انزل الله مثل تطبيق العقوبات الشرعية كالجلد وقطع اليد والرجم فضلا عن اسقاط جباية الجزية من مواطنيها غير المسلمين وانتهى الامر بالكثير من الدول الى محاولات «تحييد» المسجد من قبل انظمة الحكم الانقلابية وحكم العائلات او التوابع وفرض تفسير مقولة «اطاعة اولي الامر» بالموالاة المطلقة للحكام على اختلاف مشاربهم.
/شيء من هذا كان يجري في العراق، على نحو ما، وينبغي ان نضيف الى هذه القراءة حقيقة موازية تتصل بالتقسيم المذهبي للاغلبية المسلمة، ودور مرجعية النجف الناشط في مقاومة العثمانيين، والبريطانيين، بل ان مرجعية النجف كانت(طوال صعود صدام حسين وإشعال الحرب مع ايران) تلوذ بموقف تحت عنوان (الدين لا يتدخل في السياسة) اتقاء بطش الدكتاتورية ودفعاً لضغوط اجهزة السلطة لاجبارها على تأييد سياسة النظام ومبايعته.
/ وفيما يتزايد الجدل حول امكانيات بناء منظومة فصل (او علاقة) بين الدين والسياسة في العراق الجديد فقد تزايدت-في مجرى ذلك- الحاجة بالنسبة لدعاة العلمانية الى حل مشكلات بنوية اعتراضية ذات بعد عميق في الخلفية الدينية، فان الاسلام نشأ ديناً في قلب السياسة، بالمعنى الذي يتعلق بالدعوة المحمدية المبكرة لتحطيم دولة الاستبداد القرشية، وبمعنى ما، مطلوب من العلمانيين العراقيين تأسيس ورش بحث فكرية لصياغة منظورات علمانية قابلة للتطبيق، وبوصفها صمام امان للسلام الاهلي وبناء دولة المواطنة.
/ولعل في مقدمة الاشكاليات المطروحة على طاولة البحث دور عالم الدين في العمل السياسي، فقد جرى تقديم هذا الدور من زاويتين متطرفتين، واحدة، من علمانيين عبّر بعضهم عن الضيق من إسهام عالم الدين في الحياة السياسية الامر الذي يتعارض مع حقوق الانسان والفروض الدستورية بصدد حق المواطن، أي مواطن، في ابداء الرأي والمشاركة في الحكم ، وزاوية ثانية، من اسلاميين إذ يرفعون هذا الدور الى مقام المقدسات، غير القابلة للمناقشة.. قلت زاويتين متطرفتين، وكل تطرف ثمة اعتدال يقابله.. ورهاننا عليه.
*********
الشافعي:
«إذا ذكرت لكم ما لا تقبله عقولكم فلا تقبلوه، فان العقل مضطر الى قبول الحق».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة