الرثاء المتبقي في نصال الفقد ووجد الشاعر

خضير الزيدي

منذ إصدار مجموعته الشعرية الأولى، (إلحاقا بالموت السابق ) عام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين. وليس انتهاء بمجموعته وملحمته الرثائية الأخيرة، (قليلا من كثيرا عزة ) الصادرة أخيرا عن بيت الغشام للصحافة والنشر في سلطنة عمان .والشاعر عبد الرزاق الربيعي يتبنى الرثاء وكأن خياله الشعري لا يفارق هوس الرحيل ونوائب الدهر ، واعتقد أن ملحمته في مأساة رحيل زوجته قد جعلت من مكونات الإحساس الباطني والاعتقاد الذهني الخاصين بعلاقته مع الموت إضافة أخرى لقاموس الشعر بطريقة تخضع لمعاير الفجيعة الإنسانية التي عاشها أسلافه من الشعراء وحسنا صنع في بداية هذه الملحمة أن ضمن مقاطع لشعراء عاشوا مرارة فقدان الزوجة …لكن ما يمهد له النص الرثائي في طريقة الربيعي أكثر اختلافا من غيره فهي تعرض مواجهته بقابلية الشعر المحافظ على مكونات الذاكرة وهوس الإقصاء القسري الفاجع ،هذه الإضافة حددت لنا كقراء لمجموعته (قليل من كثير عزة ) مجريات النسق الشعري القابع تحت إثارة العاطفة وفاعلية تشكلها بنائيا وبما أن العمق الدلالي لتشكيل اللغة الشعرية ينبسط بشفافية ووضوح غير متعال فالممارسة الرثائية اقرب صدقا لتقصي حقائق الوجد ونصال الفقد التي عمل على تضمينها مع عنونة المجموعة وكل ذلك يقودنا لمساحات التأويل وما يثريه العنوان من دلالة وتدفق وجداني ..أدرك تماما مدى الألم الذي يعيشه الربيعي جراء ذلك الرحيل ولكن ما تمثله النصوص ومستوياتها تحت ضغط مرجعيات العاطفة / والذاكرة تنتج خطابا شعريا مغايرا بحكم سيطرة الإيقاع الباطني لنفسية أولا ولإمكانيته الشعرية ومعرفة كيفية وضع انسجام اللغة مع تهادن الفاجعة وهذا ليس مسوغا لتبرير احتواء النص على شحنات وطاقة بديلة تمتثل لتحديد رؤيته اتجاه الموت وتركاته النفسية بقدر ما تنطوي محمولاته الدلالية لفرض قيما تثري التراكيب بأنظمة وحيوية لمعنى خاص يتعلق بالرحيل ومعرفة أسباب الموت .وهذا التداخل البنائي غير كاف ليعلن عن سمات شعورية يتصدى لحملها النص الشعري .في مجموعته الأخيرة لا يوجد تناظر إشكالي ربما تتطلبه المعادلة بين الوجد والرحيل بقدر ما توجد استعانة وتفسير يستلزم الاستثناء الطبيعي وفهم الواقع ومأساته كما نقرأه في هذا المقطع
طيوركِ لم تعدْ هنا
فلا حُبَّ
ولا ريحانَ
ولا كفَّيكِ اللتين تفرشينهما
تحتَ زُغْبِ المناقيرِ
حين تبثُّ شُجُونَها الصباحيّةَ
وهي تداعبُ سقفَ روحِكِ
في الحديقةِ الخلفيّةِ
لكنَّها…
منذُ جفافِ هبوبِك
فظلّت وحيدةً
تزرعُ الهديلَ
في زوايا النسيانِ
معادلة النفي واستدراجه في مختبر العاطفة الشعرية تجعلنا ندرك جدوى إثارة واسترجاع الذكريات لدى الشاعر فهي فضاء معاكس لمغايرة ذاتية واقل ما يمكن وصفه انه طرف ظاهري لحنين مفقود يتحرك على أمل الإمساك به وما المفردات الصاخبة بالنفي .(طيورك لم تعد ….لا حب .. لا ريحان ..ولا كفيك بالإضافة إلى مفردة نسيان ) كلها حمولات دالة تستند لمرجعيات باطنية وحسية معلنة على ظاهر النص الشعري وهي بالضرورة مفتتح لرسالة إنسانية تتكشف إشاراتها على نحو تستوي فيه معادلة .. (الفقد والسهد والوجد ) هذا التكوين والخلق الدلالي يفصح عن مستويين لنا الأول التأكيد على موازاة الفاجعة التي ألمت بالربيعي جراء رحيل زوجته (عزة ) والثاني تصوير الذكريات ضمن محور مشبع باندفاع عاطفي وعليه تبدو النصوص التي احتوتها ملحمته الشعرية وكأنها استعراض لتعبير وجداني يمنحه الفرادة والحق في تصعيد لغة الشعر باتجاه التلاؤم والانسجام مع الحزن وهذا ما أردت الإشارة إليه في مقدمة المقالة من أن الربيعي كان عارفا بإخضاع سلطة الموت لفاعلية ذاكرته وتنقله من مكون حياتي ذات علاقة إنسانية مبرمجة إلى وحدة استثنائية قاتلة وهذا ما يكشفه هذا النص المدون في بعض نصوصه
وسط الزحام
رأيت ذكرياتي تذرع الشوارع
ورأيت السماء
محدودبةً بغزارة
من كثرة حنوِّها
على وحدتي الجريحة
ألا يكشف هذا التناقض بين (الزحام / والوحدة الجريحة) عن متغير نفسي حاد يبسط معاينة منعكسة لهول الفاجعة وتأثيرها ؟ انه إنتاج لصورة قاتمة تجعلنا كقراء نسلم بهيمنة الموت وسلطته على انتماء الشاعر لوحدته وغرابته في الحياة وهو قدر طبيعي يساق باليات مخيفة ،ومهمة الشاعر الكشف لنا عن متن حكائي بشحنات شعرية .لهذا أتفهم سياق النص وتوزيع تداخلاته إزاء التحكم بالعاطفة ولكن المخيف لنا قابلية تحمل الشاعر لهول العيش مع مخاض الرحيل وتصوراته الداخلية ،ليست ثمة دهشة وإنما هناك إشارة ومراجعة تجعل محاولات اسطره الواقع وفاجعته استجابة لا بد من التكيف معها وهذا ما يخفيه النص الشعري
ماذا يفعلُ الخائبونَ
سوى أنْ
يضعوا
ظلّ وردةٍ
بكاملِ ربيعِها
على الجدارِ
هذا الفضاء الدلالي يصور تتابع الإثارة الشعرية ويحدد قواعد النظام البنائي لما تحمله الصياغة من حركة في رسم العاطفة وما تبديه من جو غرائبي مشحون باستثمار مزدوج يكمن الأول في حقيقة (الخيبة ) ثم تلاحقه دلالة (ظل الوردة) وليس سياقها الشكلي وإضاءتها لتنتهي بصدمة (الجدار ) هذا التشكيل الحسي الثلاثي أسهمت خصائصه في كشف علاقة الاختلاف أيضا مرد التناقض عائد للتضاد المبني ابتداء بالتساؤل ماذا ؟ والذي يستدعي جوابا ضروريا غير مجرد من واقعيته انتهى بالجدار وهو إشارة صريحة تحقق تزامنا لمعنى اكبر ربما ينتهي بجدار القبر وهذا ما تؤشر له سياق الجملة الشعرية (بكامل ربيعها )
في الجهة الأخرى تظهر مركبات لفضاء مختلف في هذه الملحمة الرثائية قد تكون أكثر استبطانا وجحيما أيضا
انتظريني
في الجانبِ الآخرِ
من الجنّةِ
وسطَ الحدائقِ والرياحينِ
فبقدر ما ينم فعل الأمر (انتظريني ) برجاء تفسره الدلالة الشعرية وسياقها الغيبي الذي تفصله جوانب الأعلى الجنة والأسفل الأرض فهي حالة وجد صريحة بعدم التأخر عن الالتحاق بها وهو وفاء هيئته الذكريات والأيام المشتركة قبل إن تعلنه موجبات الوجد الصادق ..لقد بينت لنا مجموعة الربيعي إدراكا حسيا شفافا محملا بأدلة وتراكيب عاطفية لا يمكن لمن يقرأ هذه الملحمة إلا أن يخضع لمعياريتها في التنظيم البنائي من حيث الصياغات اللغوية ومن مواقف ومشاعر وأحاسيس صاحبها أنها خضوع الكل للجزء المفقود وهي تصور يوحي لنا كقراء بقيمته التي لا يحدها جدار ولا تبقيه ظلال الوردة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة