كوميديا المسرح العراقي إلى أين؟

مهند صلاح

عندما تريد الطبقة الثقافية أن تنهض بمجتمع ما فلن يمنعها أحد عن فعل ذلك لأنها على يقين تام بأنها مسؤولة تماما عن رسم الشكل المستقبلي لذلك المجتمع، و خلق مساحات من الوعي الانساني عبر أدوات متقنة، و هي في منتهى الثقة بأن مقود عجلة التطور و الرقي سيكون بيدها هي، لا بيد الفاشلين و النفعيين لدى طرفي عملية البناء ( المنتج – الجمهور )، و لو أخذنا مثالا ك ( تياترو مصر ) او ( مسرح مصر )، الذي سبب ضجة في عالم المسرح عبر الكوميديا الرصينة و الهادفة ‘ لإستطعنا أن نضع يدنا على جرح غائر يزداد بشاعة في كل يوم عبر ( المسرح الكوميدي العراقي )، الذي فشل في طرحه، بعد أن كان في يوم ما نافذة واسعة أطلت علينا من خلالها العديد من التجارب الهادفة و الرصينة ‘ و اتجه بسرعة نحو اسوأ درجات الوعي على خارطة الخط البياني الفكري و الابداعي فتحول من مسرح هادف يحتوي كل افراد العائلة العراقية و لا يخدش الحياء العام، الى مسرح تجاري ربحي لا يرتقي الى رسم ملامح واضحة لغد فني تتشكل من خلاله رؤية نموذجية قابلة للتطور، بالعكس من المستوى المتصاعد للفن المسرحي المصري الذي لم ينفك يوما في أن يكون متصدر لذائقة العديد من المجتمعات، و المحبب لها .. و اخر تجربة حداثوية، هي التي شكل ملامحها الممثل القدير و الفذ أشرف عبد الباقي، عندما برهن للعالم بأسره بأن مصر قادرة على ان تلد في كل يوم مسارحا و افكارا و ممثلين جدد.
فقد استطاع و بطريقة متقنة ‘ ان يوظف إبداع جيل جديد من الشباب الذين ابهروا الجمهور بقدراتهم و طاقاتهم، و جذبهم لجمهور واسع في كل انحاء العالم، و قد زاد من هذه الشهرة العقد الذي ابرمته قناة الحياة معهم اولا، و من ثم قناة mbc مصر، و المبهر في الأمر، بأن لهذا الجيل من الشباب قدرات فائقة على اداء متنوع للادوار و لم يؤثر عليهم التنقل السريع بين مسرحية و أخرى.
مما سبب بالتالي ضجة إعلامية كبيرة جعلت منهم نجوما في وقت قياسي، و ارتقت بالفن المسرحي المصري إلى تصدر الذائقة الجمعية لدى الجمهور، على العكس من اغلب القائمين على المسرح الكوميدي العراقي ‘ الذين اكتفوا بمتاجرتهم بالافكار الهزيلة و غير الهادفة، و اقتصار الادوار على فئة و جيل معين، دون الأخذ بنظر الاعتبار مدى خطورة الموقف على مستقبل الواقع المسرحي العراقي و جمهوره، الذي بدوره هو الاخر، تشكل بغالبه وفق ما يطرح عبر هذا المسرح، فأصبحت الذائقة الجماهيرية باهتة و مليئة بالفراغات الفكرية ‘ بل هي اقرب الى ان تكون فوضوية الطرح، و بقيت أجيال كاملة من الشباب و قدراتهم المسرحية، رهينة بقبول فكرة الانخراط بهكذا مسارح، أو تدمير مواهبهم عبر ماكنة الزمن.
و هنا كان لابد ان نعي بان المسرح، كان و لا يزال، هو النافذة الفكرية و الثقافية الاقوى، التي تتسرب من خلالها سمات اي كيان مجتمعي، عبر تصدير الافكار بشكل مباشر نحو بؤرة التلقي، لكن و للأسف، فإن سوء ما يطرح في الساحة، قد سمح للكثير من المزيفين و المواهب البائسة بتصدر المشهد المسرحي، و تصديقهم لكذبة صنعتها لهم الآلة الاعلامية الفاشلة، بانهم ابطال هذا المشهد الذي لن يتكرر.
لذلك أدعو كل المبدعين من عمالقة المسرح العراقي و اساتذة الفن و المؤسسات المسرحية الرصينة، الى انقاذ ما تبقى من كوميديا المسرح العراقي، و عدم اخذ موقف الحياد او المجاملة مما يحصل. كي يستعيد المسرح عافيته و تتاح الفرصة امام جيش من الشباب المسرحي الكوميدي في ان يساهم ببناء مسرح كوميدي، يرتقي الى مستوى ما يطرح في العالمين العربي و الغربي …

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة