وما يزال حلماً..!

منذ تأسيسها في القاهرة عام 1945 بقيت الجامعة العربية تبحث عن تحقيق ذاتها واهداف شعوب الدول التي انضمت اليها ..هذه الجامعة التي سبقت انشاء منظمة الامم المتحدة وتجاوزت مساحات دولها مساحات جميع الدول في العالم باستثناء روسيا وعدّ سكان دولها ضمن اكبر خمس دول هي الاكبر في العالم من ناحية السكان لم تسعفها كل هذه الامكانيات والخصوصيات في بلورة ظهورها كقوة سياسية واقتصادية كبرى كان يمكن ان يكون لها ثقل دولي واضح لولا تخلف تفكير ثلة من حكام الدول العربية واصرارهم على التمسك بآليات تدوال السلطة وعدم مسايرة المتغيرات الدولية واللحاق بحركة التطورات الاقتصادية التي اجتاحت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم ومن يتمعن ملياً في ميثاق جامعة الدول العربية سينبهر لبنود هذا الميثاق الذي احاط كثيراً بفكرة واهداف التأسيس ووفر الارضية المطلوبة لتحقيق وحدة عربية متكاملة من جميع النواحي وركزت هذه البنود كثيراً على ثلاثة مفاصل عدّت هي الاساس لخروج العرب من حالة الضعف الى ميادين القوة وهي الامن والاقتصاد وبناء القدرات العسكرية للجيوش العربية ..
واذا اردنا تتبع مسارات العمل العربي منذ تأسيس الجامعة العربية وحتى الوقت الحاضر ومقارنة هذا التأسيس الاقليمي مع منظمات واتحادات دولية اخرى لابد لنا من الوقوف على طبيعة انظمة الحكم التي تشكلت منها الجامعة وتلك نقطة جوهرية لايمكن المرور عليها او التغافل عنها او القفز منها من دون تمحيص ولربما يصح القول ان الاخفاق الكبير الذي اصاب عمل الجامعة العربية وفشلها في تحقيق الوحدة العربية وعدم قدرتها على الوصول الى نظام اقتصادي عربي موحد لايكمن في بنود ميثاقها بقدر مايتعلق باشكال منظومة الحكم التي تتعدد وتتنوع في اقطارها فهذه الدول وقعت على ميثاق جامعة الدول العربية من دون أي تعاهد او التزام وطني واخلاقي او انساني يتعلق باحترام الحريات العامة داخل بلدانها كما ان جل الدول العربية تتحكم فيها اسر حاكمة تتوارث القيادة فيها او انظمة ديكتاتورية قائمة على الاستبداد مما يفرغ محتوى ومضمون ميثاق جامعة الدول العربية من الاستحقاقات والالتزامات التي لابد للدول المشاركة من توفيرها او تنفيذها فما يصلح لنظام عربي يراه غيره لايصلح له وكان لابد اولا من تحقيق الاصلاح داخل منظومة الحكم العربية داخل هذه البلدان قبل التوافق على ميثاق جامعة الدول العربية او الشروع لاعادة صياغة هذا الميثاق بما يؤمن توفر المعايير القانونية والسياسية التي يجب ان تتوفر بأية دولة للموافقة على انضمامها للجامعة مثلما يحصل اليوم في الاتحاد الاوروبي حيث ترفض هذه الدول انضمام تركيا اليها منذ سنوات طويلة تحت طائلة منظومة الشروط القانونية والسياسية للانضمام ..
لقد اجهض الغزو العراقي للكويت الجزء الاكبر من الحلم العربي بامكانية تحقيق الوحدة العربية مثلما أسهم اسقاط نظام صدام وردود افعال الانظمة العربية على التجربة السياسية الجديدة في العراق والتعاطي مع هذا النظام في توسيع الفجوة بين شعوب وانظمة الدول العربية وجاءت حركة الاحتجاجات في الربيع العربي لتظهر حقيقة خواء بعض انظمة الحكم العربية والتأكيد على عدم شرعيتها طوال عقود من السنين واصبحت اجتماعات هذه الدول مناكفات واتهامات بالتخوين وتشكيك بالانتماء وتراجعت قضية العرب المركزية فلسطين والقدس وتحريرها بكونها هماً عروبياً في مؤتمرات القمم ليستبدلها الحكام العرب بمخاوف انهيار منظومة الحكم فيها والتحالف والتعاضد المحوري بما يتلاءم وتوجهاتها وسيطرت الهموم الطائفية التي جلبها الانتحاريون الذين يفجرون اجسادهم في العراق وبعمليات الذبح لتنظيم داعش والتنظيمات الارهابية في سوريا وتمزيق خارطة ليبيا واليمن وصار الجدل على مشروعية التدخلات الاقليمية والدولية في الجوار العربي وتعدد الولاءات تبعاً للطوائف من دون ان يفكر نظام عربي بالاهداف الاصيلة التي نادى بها ميثاق جامعة الدول العربية الذي ما يزال الوصول اليه حلماً عربياً مؤجلاً…!!
امام تحديات كبيرة يواجهها العالم العربي والاسلامي تتمثل بالارهاب الذي يدق على ابواب البلدان في الشرق والغرب والموقف الدولي منه ومحاولات وقف الهجرة الى اوروبا فما يزال العالم ينظر الى الدول العربية مع كل هجوم ارهابي على انها شعب واحد والى المسلمين على انهم دين واحد فيقولون الانتحاري ارهابي عربي او من اصول اسلامية فيما تريد الانظمة الحاكمة ترسيخ خصوصياتها وسلطاتها بتفرد وتفرق …!!
د. علي شمخي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة