كوكتيل الطيبة والجهل

بشكل عام ولاسباب اقتصادية واجتماعية تتميز طبقة الفقراء والكادحين بالطيبة وروح الايثار وما يرافقهما من خصال انسانية تليق بالمنتسبين لنادي الكدح وانتاج الخيرات المادية. لكن شروط العيش الصعبة وظروف الاضطهاد المادي والمعنوي، تجعل الغالبية منهم يتخبطون وسط مستويات متدنية جداً من الوعي، وكثيراً ما نجدهم يقفون بالضد من مصالحهم وتطلعات طبقاتهم المسحوقة في العيش بكرامة، وهكذا نجد طيبتهم تلك تسخر لخدمة غايات اخرى متنافرة ومصالحهم الحيوية. طبعاً مثل هذا الكوكتيل القاتل (الطيبة والجهل) لم يعد له وجود مؤثر في الدول والمجتعات التي وصلت لسن التكليف الحضاري، لاسباب موضوعية وذاتية دونتها الادبيات المعنية بنشاط البشر من أجل الحرية والعدالة والمساواة. اما مضاربنا المنكوبة بتمدد وبقاء مثل هذا الكوكتيل الذي جمع الشتيتين، لم تخلوا من محاولات ونشاطات رائدة وشجاعة من اجل تفكيك اواصر هذه العلاقة المميتة، ومن يتصفح قليلا في بداية تاريخنا الحديث وولادة الدولة العراقية في الربع الاول من القرن المنصرم، يمكنه التعرف على ذلك المشوار المتقدم الذي خاضه الرعيل الاول من الوطنيين العراقيين في التمهيد لرسم ملامح مشروع الامة العراقية الفتية، استناداً الى الادوات والوسائل المجربة للامم الاخرى التي سبقتنا في هذا المجال، وخاصة في مجال سن التشريعات وتأسيس الاحزاب والمنظمات والنقابات الحديثة، تلك الصقالات التي شرعت الابواب لمرور الوعي وقيم الحداثة للطبقات الكادحة، ذلك التخصيب الذي ارتقى بسكان هذا الوطن القديم الى مستويات متقدمة من الانجاز والابداع في شتى الحقول المادية والروحية.
أكثر من اربعة عقود من التقدم صوب مشاريع الاحلام المتناغمة وتطلعات الغالبية العظمى من العراقيين؛ اجهضت بفعل تحول الامكانية السلبية الى واقع، بصعود (حثالة الريف واوباش المدن) الى السلطة، لتبدأ حقبة استمرت لاربعة عقود من المغامرات المدمرة والحروب والسياسات المعادية لكل ما يتعلق بالابداع والجمال وروح هذا الوطن (تعدديته وتنوعه) لتفضي بنا الى ما نحن عليه اليوم من ضياع وحطام للبشر والحجر. ان ما نشاهده اليوم من عجز وفشل في النهوض بمهمة اعادة بناء مؤسسات المجتمع والدولة الحديثة؛ يعود في الكثير منه الى هذا الواقع المرير الذي تعيشه الطبقات الكادحة وغربتها عن المشاريع المتناغمة ومصالحها الحيوية، حيث الغالبية العظمى منها تحولت الى ما يشبه الرهينة بيد القوى الظلامية واحزاب وكتل القرن السابع الهجري. من دون فك ارتباطها هذا بمشاريع القرون السالفة، لا يمكن الحديث عن أي اصلاح وتغيير جديين في المشهد الغرائبي الراهن. ومن دون شك لا يمكن التعويل في مثل هذه المهمات على القوى والشخصيات التي أدمنت على اداء دور الذيول لأكثر من نصف قرن، ممتشقة العناوين والتسميات الحداثوية، البريئة منها ومن رطاناتها ويافطاتها التي فقدت القدرة على الخجل منذ زمن بعيد. هذا الكوكتيل القاتل (الطيبة والجهل) لا يمكن ان يفضي لغير هذا الضياع والمهالك التي عرفناها مع النظام المباد وتواصلت مع ورثته، وللخروج من هذه الحلقة المميتة؛ لا مناص من العمل والنشاط لمواجهة سدنة الجهل وتجفيف مستنقعاته الممتدة عميقاً على تضاريس الطيبة والكدح والايثار، كي يجد سكان هذا الوطن القديم طريقهم للعيش كباقي الامم والدول التي أكرمتها الاقدار بهموم تليق بكرامة الانسان وحقوقه المشروعة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة