الأخبار العاجلة

جرائم الحرب

ماذا ينبغي على الجمهور معرفته ؟
يتناول هذا الكتاب جرائم الحرب ومجرمي الحرب في ظل غياب نظام قانوني وافتقار الإرادة الدولية للسلام… في الوقت الذي ما يزال الشرق الاوسط غائباً عن خريطة أية محكمة جرائم حرب…ولأهمية ما جاء في الكتاب من أفكار وآراء، تنشر “الصباح الجديد” فصول هذا الكتاب على حلقات متسلسلة
تقديم: حنان عشراوي – تحرير الطبعة الدولية: روي غتمان وديفد ريف – تحرير الطبعة العربية: داود كتاب – ترجمة: غازي مسعود
الحلقة 56
التحريض على الابادة
كوليت بريكمان
حض الصوت المنطلق من الراديو ” اعملوا بجد أكثر، القبور لم تمتلئ بعد” . في شهر نيسان 1994 ‏، عندما بدأت الإبادة في روا ندا، كان الناس يلتصقون إلى أجهزة الاستقبال. ففي ذاك الجزء من العالم الذي لا توجد فيه كهرباء عند معظم الناس، تكون تلك هي الطريقة الوحيدة لنشر المعلومات. ولكن في ذاك الصيف في رواندا، بدا أن غرض محطات الإذاعة الوحيد: تحريض الجماهير الهوتية على تصفية جيرانهم.
‏وكانت أشهر محطات الإذاعة جميعا محطة أر. تي. إل. إم.، راديو وتلفزيون الألف تلة. اشتهرت المحطة بوجود أفضل ديجيهات رواندا فيها، وبمزجها الجذاب بين الموسيقى الأفريقية والبرامج الإخبارية .التحليل السياسي. وبشرة المحطة التي أمست سنة 1993 ‏ويملكها أئراد عائلة الرئيس هابياريمانا وأصدقاؤه، برسالة متطرفة تقول بالتفوق الهوتي، ولكن عديد الروانديين غير المسيسين أصبحوا مستمعين لها للموسيقى التي تبثها. وفي الحقيقة، كانت قلوبهم وعقولهم تحضر للإبادة. وعندما “اطلق عنان القتلى شي السادس من شهر نيسان، أصبح واضحاً ما خلقه أصحاب المحطة ومديروها- منبراً جهنمياً يمكن من خلاله نشر رسالة القتلى في جمع أنحاء رواندا.
وما قدح زناد المحنة، إسقاط طائرة هايباريمانا بصاروخ. فبعد دقائق من تحطم الطائرة، اتهمت المحطة القوات البلبجيكية التي تقوم بمهمة حفظ سلام للأمم المتحدة في رواندا باسقاط الطائرة. وفي الصباح التالي، قتل عشرة جنود بلجيكيين بوحشية، وانسحبت قوات الأمم المتحدة. وكانت أر. تي. إل. إم. من أعطى إشارة بدء مجزرة التوتسيين والهوتيين المعتدلين.
قالت (آر. تي. إك. إم. في السابع من نيسان والثامن منه: “يجب أن تقتلوا (التوتسيين)، إنهم صراصير. . . ” . وفي الثالث عشر من أيار: “يا من تستمعون إلينا جميعاً، انهضوا كي نستطيع جميعا القتال من أجل رواندانا. . قاتلوا بأية أسلحة تمتلكون، من يملك منكم سهاماً، بالسهام، من يمتلك منكم رماحا، بالرماح. . . احملوا أسلحتكم التقليدية. . . علينا جميعا أن نقاتل (التوتسيين)؛ علينا التخلص منهم، صفوهم، امحوهم من كل البلد. . . لا تدعوهم يجدون ملاذاً، لا ملاذ على الإطلاق” . وفي الثاني من شهر تموز: “لست أدري إذا كان الله سيساعدنا على تصفية (التوتسيين)أو لا. . . لكننا يجب أن ننهض لتصفية هذا العنصر من الأشرار. . . يجب أن يصفوا لأنه لا توجد طريقة أخرى” .

فعلت الرسالة فعلها. فالى شهر تموز 1994 ‏، عندما وضع انتصار الجبهة الوطنية الرواندية التي يقودها التوتسيون نهاية للإبادة، كان قد ذبح ما يقرب من مليون رواندي- معظمهم توتسيون، وأيضاً هوتيون ينتمون إلى أحزاب ديمقراطية رواندية. لقد نجحت الراديو هات نجاحاً كبيراً في التحريض على الإبادة.
‏وطبعاً، كان ما فعلته، تحضير الأرضية للقتل وتشجيع المستمعين´على المضي فيه حالما بدأت الإبادة، غير قانوني كليا وفقا للقانون الإنساني الدولي الذي لا يعترف بحق مطلق حرية التعبير. فبالتحديد، كان معظم من قتل مدنيون، أي “الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية” . فحسب المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جينيف الأربع لسنة 1949 ‏،، يعامل المدنيون “جميع الأحوال معاملة إنسانية، دون أي تمييز ضار يقوم على العنصر أو اللون، أو الدين أو المعتقد، أو الجنس، أو المولد أو الثروة أو أية معايير عائلة أخرى” .
‏واذ انتشر الاهتياج، أصبحت الوثيقة الأساسية اتفاقية الابادة لسنة 1948 ‏التي غدت رواندا طرفا فيها سنة 1975 ‏، تعرف الاتفاقية جريمة الإبادة بأنها “أفعال ارتكبت بقصد تدمير جماعة قومية أو عرقية أو جنسية أو دينية، كليا أو جزئياً” . وتشمل الأفعال قتل أفراد المجموعة، وايقاع أذى بدني أو ذهني خطير بها، وفرض شروط حياة مدروسة لتدميرها بدنيا، كليا أو جزئياً. ولا تجعل الاتفاقية الإبادة نفسها جريمة دولية فقط، بل وتنص في مادتها الثالثة على أن “التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة” محظور. وفي شهر أيلول 1998 ‏، حكمت محكمة جنائية دولية مؤقتة لرواندا أقيمت في أروشا، تنزانيا، على جان كامباندا، رئيس الوزراء السابق، بالتحريض المباشر والعلني على ارتكاب الابادة ، جزئياً لتشجيعه محطة (. تي. إل. إم. على الاستمرار في نداءاتها الداعية إلى قتل التوتسيين. وفي ذاك الشهر نفسه، أدانت المحكمة جان بول أكايزو، القائد المدني لكومونة طابا، بتهم شملت التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة.
‏هذا وقد ثبتت المحظورات التي أقرتها اتفاقية الإبادة والسابقة القانونية التي أقرتها محكمة الجنايات الدولية لرواندا في نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية الذي تم تبنيه في السابع عشر من شهر تموز و 1998 ‏ووافقت 120 ‏دولة على نظام روما الأساسي الذي وضع الأحكام الأساسية لأول محكمة جنائية دولية في التاريخ؛ فقد أدرجت المادة الخامسة من النظام الابادة في رأس قائمة الجرائم التي تتمتع المحكمة بسلطة قضائية عليها.
‏ظل صحفيي محطة (. تي. إل. إم. المتاجرين بالكراهية محلى الهواء إلى أخر لحظة من لحظات الإبادة الرواندية. ففي شهر تموز 1994 ‏, عندما هزمت الجبهة الوطنية الرواندية _ الجيش التوتسي الذي قدم من أوغندا المجاورة _ الجيش الرواندي ووضعت نهاية للإبادة، حمل موظفي المحطة جهاز إرسال متنقل وفروا إلى زائر مع لاجئين هوتيين. وفراناد نا هيمانا، مؤرخ مشهور عمل مديراً للمحطة، الى الكاميرون . اعتقل هناك وسلم الى محكمة أروشا ، حيث يواجه تهمة محددة جداً: التحريض على الإبادة .
‏اغلقت الحكومة الجديدة التي يقودها التوتسيون محطة آر . تي . إل . إم . ، ‏الرسالة استمرت عندما شرع الهوتيون بالبث من محطة راديو سرية أخرى من كيفو ، زائير، والتحريض على كراهية التوتسيين في بوروندي، مستعملة الشعارات نفسها .
‏حقوق الضحايا
لندسي هليسم
مختبئة في منزلها في كيغالي، سامعة صرخات جيرانها وهم يذبحون، لم تعرف مونيكا يويمانا إلى أين تتجه لطلب المساعدة. كانت عصابات من الشبان تنتقل من منزل إلى منزل بمناجل وهراوات ملأتها المسامير وتقتل التوتسيين مثلها. اتصلت بموظفي الأمم المتحدة، فقالوا إنهم لا يستطيعون المساعدة. اتصلت بمراسل أجنبي وسألته الفصح ، فلم تجد لدى الصحفي أية نصيحة.
‏يؤمن عديد الروانديين بأن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ملزمة بمساعدتهم. غير أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة سحب معظم القوات في عز الإبادة الرواندية في شهر نيسان 1994 ‏ولم يأمر بقوة جديدة لتدخل رواندا إلا بعد أن أصبح الأمر متأخرا جدا.
‏نظريا، يستطيع المدنيون اللجوء إلى دولة محايدة والوصول إلى سفارة أجنبية. ولكن حتى لو تمكنت يويمانا من تجاوز الحواجز على الطرق، فقد يتم ردها، لأن معظم السفارات لا تستقبل وتحمي إلا الضحايا الذين يستطيعون إنبات ملتهم ببلا‏دها.
‏ورواندا مثال استثنائي لأزمة إنسانية اختفى فيها المجتمع الدولي وعملوه من المشهد حين كانت الحاجة إليهم ماسة. وهي تكبسل مأزق ضحايا الفزع المسلح، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو، ‏كما في هذه الحالة، الإبادة. والدول ملزمة بدهن تعويض لانتهاك الاتفاقيات الدولية ومسؤولة عن ذنوب قواتها. فاتفاقية لاماي لسنة 1907 ‏تقول: “تلزم الدول المحاربة التي تنتهك أحكام هذه الاتفاقية، إذا تطلب الأمر، بدفع تعويض. وستكون مسؤولة عن جميع الأفعال التي يقترفها أشخاص يشكلون جزءا من قواتها المسلحة” . وتحكم المؤسسات القضائية الآن في قضايا من الحروب التي دارت حول إرث يوغسلافيا ومن الا بادة في رواندا، ويجري في وقت كتابة هذه المادة تشكيل محكمة جنايات دولية. وفي النهاية، ستحدد المسؤولية في هذه القضايا. ولكن في لحظة العنف الأقصى، تكون الحماية غير موجودة تقريبا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة