الكاريكتير بوصفه فناً للمفارقة..

عاصم جهاد

علي حسن الفواز
قد يكون فن الكاريكتير محاولة لاصطناع المفارقة، لكنه أيضا خطاب يستدعي وجود منتجٍ(إبداعي) له، ومتلقٍ لرسالته. مابين الصناعة والخطاب ثمة الكثير من التمثلات والأفكار التي يطرحها هذا الفن بوصفه جزءا من خطاب الواقع، وجزءا من حاجاته وأداوره في التعليق والسخرية والاحتفاء بتلك المفارقة.
عاصم جهاد واحد من الفنانين الدؤوبين على التميز في صياغة الفكرة الكاريكتيرية، فالتخطيط والتشكيل لاينفصلان عن الفكرة، إذ يستولد من خلالها موقفا معينا، ورسالةً ساخرةً الى متلقٍ ما، هو ذات المتلقي الذي يعيش هموم الأزمات والصراعات الذي يصنع تشوهاتها الخطاب السياسي والخطاب الاجتماعي والتحاصص الطائفي وغيرها.
يقول فيصل درّاج بأن الكتابة هي فن الكلمات، وأنّ مهارة الكاتب تتمثلها قدرة الكاتب على صناعة خطاب يؤثر في المزاج العمومي، لكن الكاريكتير تتبدى استثنائيه في فن التصرف بالخطوط التي تُناظر الكلمات، تلك التي تتمثل لحمولاتها النقدية، ولنظرتها الساخرة والمتضخمة.
الميزة الخاصة في هذا التمثّل النقدي يكمن في سرعة النفاذ الى الناس متعددي المشارب والاتجاهات، لأنه يثير متعتهم من جانب، ويلامس مقموعهم والمسكوت عنه في حياتهم من جانب آخر.
يسعى عاصم عبر الخطوط البسيطة، والتشكّلات الصورية الوضحة الى التوغل في مجال الأفكار الكبيرة، ومن خلال ماينخرط عبره في لعبة التوريات والاستعارات، وفي تقزيم أو تضخيم الموضوع وشخصياته، للإبانة عن مايمكن أنْ تثيره من أسئلة تخص رسالة الخطاب، وتخص الفكرة، وتخص المبنى الفني الذي يعتمده الرسام، فالأشكال المفارقة في النص هي نظير لأفكار مفارقة حتما، وأنّ روح السخرية السوداء التي يلامسها تتحول الى أداة تعبيرية لها فاعلية النقد، والاحتجاج أحيانا.
في لوحاته التصويرية تتبدّى الأشكال داخل أفق تصويري محدد، لصالح المجال الإعلامي/ الإجرائي، لكنها سرعان ما تنزاح، لتمارس وظيفة المفارقة عبر تجاوز المجال ذاته، وبإتجاه استثارة مزاج المتلقي/ القارىء واستدعائه الى مايشبه القراءة المصورة، حيث الكلمة/ الصورة، والفكرة/ الرؤيا، وهذا مايزوّد خطوط(الخطاب الكاريكتيري) بطاقة تصويرية مفتوحة، بذات القدر الذي تفتحه في أفقٍ التوصيل، إذ نجد الخطاب يلامس السياسي والاجتماعي واليومي والثقافي، وعبر إحالات رمزية تلعب فيها الخطوط وظيفة استعارية، ووظيفة نقدية تلاحق الأحداث والمواقف والشخصيات، وتضع العالم تحت سطوة المُتخيل الكاريكتيري ودوافعه للإثارة والسخرية والمرارة أحيانا.

الكاريكاتير وسيولة الفكرة
في(كريكاتيراته) التي ينشرها عاصم جهاد في جريدة الصباح الجديد نجدُ أنفسنا أمام نص تخطيطي، يحوز على الإنشاء والفكرة، وعلى الرسالة، وعلى المتعة والاستفزاز، فالقارىء/ المشاهد يتفاعل ويشتبك مع النص، لأنّ هذا النص يخصه، مثلما يجده أليفا، مغريا، بوصفه يتسق مع معاناته، ومع رغبته في رفض الكثير من المظاهر السلبية التي يواجهها، على المستوى السياسي وما يعتمل فيها من مفارقات وصراعات ومحاصصات، وعلى المستوى الاقتصادي بمظاهر الفساد التي تنخرها، فضلا عن المستوى الانساني/ الوجودي والخدماتي، والذي بات مادة جاهزة للكوميديا السوداء..
يخضع عاصم جهاد هذه التمثلات الى مشغله التشكيلي والتعبيري، فبقدر مايتطلبه هذا المشغل من دقة في فرش الخطوط، فإنه يعمد الى سيولة الفكرة، والى تجريدها من المباشرة الحادة، لتبدو وكأنها مموّهة داخل الحدث وداخل المستوى التخطيطي، ملامح غير واضحة، رؤوس، علامات، حركات، كلها تثير الأسئلة، وتتستدعي وعياً يدرك مافيها من مظاهر، وهذا يحعل رهان عاصم جهاد مركبا، فبقدر انحيازه للرسالة التوصيلية، فهو أيضا ينحاز الى الخطاب البصري بغائيته الاستفزازية، وبشفراته ذات الحمولات الفكرية والنقدية.
من هذا المنطلق تمارس رسومات عاصم جهاد رقابة على مايجري، ترصد عبر الكاميرا تفاصيل الشارع العراقي، وتكشف عن سرائره، مثلما تكشف عن الهاجس الانساني الذي يقف خلف هذا، فهو لايستعين بالخطوط لإملاء الفراغ في الصفحة الأخيرة، بقدر ما تبدو الحاجة اليها حقيقية وفاعلة، حيث عين القارىء تلاحقها، وحيث الالتقاطة المثيرة التي بقصدها فيها. كما أن غياب التعليقات واليافطات عن تلك الرسوم تترك المجال لحرية القارىء/ المشاهد ليرى مايخصه، وليُفسّر على وفق وعيه ومعلوماته طبيعة ماتثيره تلك الرسوم في طاقتها التخطيطية والتعبيرية..
صلاحية النقد.
النقد الثقافي قد يكون هو الأقرب الى مشغل الكاريكتير، لأنهما يشتغلان على مايسمى ب(النسق المضمر) وعلى طبيعة مايستدعيه النص من علائق وتمثلات، هي خارج البلاغة المعروفة، لكنها داخل المعنى الذي يتوق اليه القارىء، والبحث عنه عبر استحضار الدلالة النسقية التي تحدث عنها عبد الله الغذامي، فالرسم في الجريدة اليومية يحمل مضمونا سياسيا وخطابا نقديا، ومادة للإستهلاك السريع، لكن مانجده في(كاريكتارات) عاصم جهاد تتجاوز هذه السهولة، لتضع قارءها أمام مجال تتشكل فيه(الدلالة النسقية) تلك عبر ما تفتحه من علاقات على المجاور الثقافي/ النفسي، والمجاور الثقافي/ الاجتماعي، والمجاور الثقافي/ الانثربولوجي والتاريخي وغيرها.
وهذا التوظيف يمثل موضوعا مهما ينبغي قراءته وفحصه ودراسته، لكي يكون تأثير الرسالة الاعلامية ضمن فن الكاريكتير أكثر فاعلية، وبأقلٍ جهد، وبعيدا عن ترهل البلاغات التي اعتدنا قراءتها ومشاهدتها. وبعيدا عن الحديث حول شعبوية فن الكاريكتير، فإن ذلك ليس جديدا، ولا يعني تغييبا واقعيا لهذا النقد الذي كان ومنذ عقود فاعلا ومؤثرا ومختزلا للكثير من المواقف التي لايمكن التعبير عنها، لابالبيانات، ولا بالخطب الثورية، لا باللغة المباشرة، لذا يلعب هذا الفن وظيفة واقعية وسريعة ونافذة التأثير، مثلما أن شعبويته تعني أن جمهوره الواسع هو الأكثر استعدادا للتعاطي مع مايجري من صراعات ظلت محاطة بالكثير من الأوهام والأكاذيب، لكن فن الكاريكتير تقصى أن يكون هنا(فضائحيا) ومحفزا على المشاهدة الصريحة والتفكير بصوت عال.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة