الأخبار العاجلة

تشاؤل..

شاعت في السبعينيات عبارة «التشاؤل» نقلا عن استعمال خلاق اطلقه الكاتب الفلسطيني الراحل اميل حبيبي بتأويل اختلاط شعور التشاؤم والتفاؤل حيال احوال العراب، والحال، فانه
لا يمكن بيع السمك قبل اصطياده واخراجه من النهر، لكن غريزة التفاؤل تسمح احيانا المراهنة على تحقيق أمنية منتظرة انطلاقاً من مؤشرات بدائية لها، او لما يبدو انها مؤشرات.
/ساجازف بالقول ان الغبار الخانق، المسموم، التخريبي، الذي اطلقه داعش انتهى الى خلق نقيضه: خصومة مجتمعية مع الارهاب، تتبلور على نحو»تفاؤل» كان يمكن ان يؤسس بيئة تعبوية وارادة جمعية لو لم تدخل عليه مزادات السياسة وهوس تجيير الانتصارات في خانة الدعاية الفئوية.
/نسائم التفاؤل هذه، قد تكون ممارسة غريزية فارّة من احتباس شديد في الحياة بين السواتر الكونكريتية، أو هي رجاء يائس مكبوت ناتج عن مكابدات العيش وازمات الخدمات وعواصف الصراعات السياسية والطائفية، وربما لا تعدو عن كونها امنية مجانية تلقى على قارعة الطريق، أو جرعة من التهدئة الخادعة يداري الناس بها دوامة الاخطار والتفجيرات المروعة وليالي الرعب والجثث والموت، وغارات الكوابيس والضغوط.
/والتفاؤل، في كل الاحوال، غير قابل للتوظيف، لا للحكومة او لاية مؤسسة سياسية، وليس هو حصيلة لمنة جهة او مرجعية او تكية، كما انه ليس معادلة رياضية تنطلق من افتراض استُهلك كثيراً عن «الصحوة» التي تنطّ من شرارة اليأس حين يستنفد الشعب صبره وامكانيات التغيير السلمي للواقع.. فان «ثورة الامل» قد تنصرف، كما يقول «اريك فروم» الى مدارات ابعد من دائرة علم الثورات الاجتماعية.. الى السايكولوجيا، مثلا، ويشاء «الدوس هاكسلي» ان يجعل من الامل في كتابه (افضل العوالم) قوة سحرية لصناعة التغيير.
/التفاؤل الذي نتحدث عنه كنسائم على سطح المشهد الاجتماعي-السياسي الجديد هو، باختصار، احساس نبيل وسري باهمية مشروع الحياة الذي تتشبث به الملايين ورفض الاستسلام للتهديد والقتل العشوائي، ومواجهة سلمية وانسانية لسطوة العنف ومؤسساته، وهو تعريف لتفاعل الذات الشعبية المدنية مع ضوء ساطع، هذه المرة، في النفق الطويل الذي حش فيه الشعب على يد الرطانات المختلفة، وهو باب قد يفضي الى الفعل الشعبي البناء والتغييري بعد سنوات ثقيلة اوصدت فيها جميع الابواب، وخوضت طوالها جميع المشاريع المعلنة في الوحل وسوء السمعة، وتصدعت خلالها صورة الكيفيات الشللية والفئوية والطائفية.
/هذا على الرغم من اننا فقدنا موهبة صناعة التفاؤل منذ زمن طويل.
******
اندرو كارنجي- صناعي اميركي
«الانسان الذي يمكنه إتقان الصبر يمكنه إتقان أي شيء آخر».

عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة