إصلاح التأريخ

/مشكلة التاريخ معقدة، وبخاصة موقفه من الباطل الذي يشكل كابوساً رهيباً لاصحاب الضمائر والاحسان والعقول النيرة.
/التاريخ يساوم الكثير من الطغاة والنصابين والسفاحين ويعطيهم الفرص الوفيرة والاموال والسلطات والصحة والقوة. اما الباطل هنا فهو كالفئران التي تعيش في الشقوق وقنوات الصرف الصحي، لكنه فتاك ومؤذ الى حد البشاعة، ويظهر لبعض البشر انيقاً وجديراً بالاحترام والزهو والافتخار.
/المؤرخ الانجليزي الشهير ويلز جمع الباطل والحق في مجلداته الاربعين عن «معالم تاريخ الانسانية» من دون تسمية الاشياء باسمائها، وترك للمؤرخين اللاحقين، ولنا، هذه المهمة العسيرة: اصلاح المعايير.
/في احوال الاضطرابات والثورات والانعطافات المجتمعية والسياسية تبرز الكثير من الظواهر والممارسات الغريبة ذات الصلة بالتاريخ، والادق ذات الصلة بافرازاته، فيما تعصف المصطلحات الكيفية في سوق التداول ليبدو ان كل شيء لم يعد كما هو متوارث في صفحات التاريخ، وكل ثابت لم يعد في موقعه، بل ويصبح الخطأ سيد المواقف، بانتظار ان تمر العاصفة الرملية ليصحو الناس وكأنهم كانوا في غيبوبة.
/اما التاريخ نفسه فانه سيسجل المرحلة في مسؤولية الارهاصات الاجتماعية، وليس في ذلك غرابة، فان التاريخ عِلمٌ مدلل، يقضي معضم اوقاته على موائد الاقوياء ويسهر لياليه بمصاحبة الاسماء الرنانة، مستهيناً بالصعاليك والمهمشين وابناء البيوت المبنية بالطين، ومستهتراً بالعواطف والاغاني وهواة الصمت النبيل والكفاية بكسرة الخبز اليابسة.
/ والآن، من سيكتب التاريخ الذي نتحدث عنه؟ هناك من يستبعد سلامة المدونات التاريخية المكتوبة من قبل السلطات او منظومات العقائد فهما معاً دوّنا اساطير وبطولات وانصاف حقائق عليلة. وهناك من يرى، ونحن منهم، ان التاريخ الاقرب الى الواقع يكتبه اولئك المغضوب عليهم،المجلودة ظهورهم، من الشهود والرواة والعلماء والشهداء، الفارّين من الطوائف والعصبيات والولاءات، الذين اشتغلوا على كيمياء الاحداث وسجلوا الوقائع من دون ان ينظروا خوفاً الى نوافذ الحاكم، او ينتظروا “عفارم” زبانيته، بل انهم اصحاب فكرة مزبلة التاريخ حين دحرجوا الطغاة وانظمة الاستبداد والمزورين واعداء الحرية الى نهاية تليق بهم.
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة