موسيقى (ثائر علي جواد)

دائما ينط سؤال أتلع أصلع كث الاسرار يحيرنا عندما يسأل عن الفرق بين الانسان العادي والانسان المبدع والفنان؟ ومع ان الاجوبة كثيرة ومتشعبة ومعقدة لكن أغلبها غير مقنع ولا يضع يده على مكان الالم، كما انها تتوغل في العموميات والغيبيات والانشاء. لقد رأيت بعيني كيف يحول الانسان الفنان مصيبته ومحنته الى فن وأدب، رأيت كيف تحولت الجروح االنازفة الهائجة التي كان يعاني منها صديقي(ثائر علي جواد) من حي(سومر) في الديوانية الى موسيقى لعلاج الجروح والقروح والآلام النفسية والتشنجات العصبية، صديقي الموسيقي يقول بدوره انه تعلم كيف يشذب ويهذب الحجر الذي يسقط على رأسه الى منحوتة تسلب العقول بجمالها، يحكي ثائر: لقد تكالبت المصائب على شاب في بلدتنا(سومر) حتى أثخن بالجراح العميقة كان آخرها موت حبيبته التي انتحرت بحرق نفسها في الحمام ـ طبعا، لا ندري ما وراء هذا السر الكبير بانتحار النساء العراقيات حرقا وبالذات في الحمام ـ أنتحرت عندما أراد أهلها تزويجها الغصب والقوة لغير حبيبها. يقول صديقي ثائر بصوت مختنق على وشك البكاء: يوميا يصعد هذا الشاب على أحدى النخلات بعد غروب الشمس ويغني فكانت(سومر) كلها تبكي ويطهرهم من العذاب ويمتص من أجسادهم الالم، كان يجعل المحلة كلها تهتز ويخلصها من المشاكل ومن الامراض، كان يبث روحه في جسد المحلة وينهض بها الى ارفع العواطف البشرية وأسمى الصفات والافعال حتى لا يكرر الناس فاجعة البنت المنتحرة.
الفنان(ثائر علي جواد) تعلم كيف يحول الازمة الى فن وهو يصدح بصوته كانه آتيا من فوق هامات النخيل محملا برذاذ الفرات يغني حائرا ثائرا من هول السؤال الوجودي فيبكي وهو يعزف ويغني: الكل باطل والكل قبض ريح/ متى يدق بابي الموت واستريح. ومات فعلا صديقي الموسيقي ثائر بدون ان يعرفه سوى أصدقائه والمقربين منه، دائما كان يدمر ميراثه الموسيقي ويهزأ به ويسخر منه، الموسيقي ثائر كان يستخف بكل شيء وأولها نفسه، كان ثائر تجسيد حي لليأس الناصع بعكس الكثير من الادعياء ممن يلبسون قناع اليأس ويتباهون بهذا الزي الثقافي الذي شاع وانتشر حيث تقمصه الكثير من الشباب للزهو والتبجح امام زملائهم بينما هم لا يتستطيعون تفويت وجبة طعام واحدة وينامون بشكل جيد ويلاحقون النساء بشكل وقح وفج للدلالة على موديل اليأس ونزق التشاؤم، لكن الموسيقي ثائر ظل يستبطن اليأس ولم يعلن عنه، عكس الكثيرين لم يكن يلوك مفردة(اليأس) في الليل والنهار، ولا يشعل سيجارته مثلما يفعل (البير كامو) ولا يحرف عينه ويجعلها حولاء مثل عين(سارتر) وهو يخوض في أرخبيل الوجودية أثناء النقاشات العوسجية التي كان طيف(كاليجولا) يحوم فوق الرؤوس. ثائر صديقي كان يشع باليأس الخلاب لكنه أنطفأ ومات بخطأ أميركي قاتل وما أكثر الاخطاء في بلادنا الغاصة بمقابر الاخطاء الجماعية. هكذا حرموني من صديقي الذي لايزال يعزف بين جدران قلبي حيث لا يسمعه أحد سوى دمي اليتيم. مات وهو يعزف آخر لحن من فيضان روحه وكانت موسيقاه نزيفا فوق هامات نخيل سومر، لكنه علمني وعلم كل من يحيط به كيف يمكن تحويل الأزمة الى فن.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة