الدادائية حملت عبث الطفولة وبراءتها

توماس فروهلنغ
ترجمة: قاسم مطر التميمي

في سنة 1916 ولدت (دادا) Dada . وعام 1922 ماتت (دادا) . في سنة 1909 ظهرت المستقبلية في ايطاليا وامتد تأثيرها الي بلدان أوربية أخري مثل انجلترا وروسيا لترفض الماضي وتحرق كل الجسور التي ترتبط به (المتاحف ٬ الآثار ٬ المكتبات ..الخ.) وتمجد الحركة والسرعة والحرب أيضا . وتندلع الحرب وتلتهم الخنادق ملايين من بني البشر وتلهج الأناشيد القومية بتمجيد الأبطال الذين أوقدوا نارها. اّن هذا العالم الذي يذبح البشر ويبني لذكراهم قوسا للنصر.
هذا العالم يستحق أن يسفه ويزدري . وينطلق من أحد شوارع زيوريخ صوت يدعو الي الفوضوية والعدمية . صوت تهريجي يدعو الي تغيير العالم مرددا بذلك كلمات (رامبو) . هذا الصوت هو صوت (دادا) الحركة التي تحمل عبث الطفولة وبراءتها ٬ صـــــــخبها وتطلعاتها.
وهتفت (دادا) بسقوط الفن ودعت الي فن مضاد بل دعت الي الغاء الفن في سورة من سوراتها .أما في الأدب فقد حاولت تجاوز الكلمة وأحيانا الغاءها . وفي الموسيقي تجاوز النوطة وادخال الضوضاء والأصوات اللاموسيقية . وحاولت ايجاد لغة عامة مشتركة بين الفنون.
وفي برلين ظهرت الدادائية بعد الحرب الأولي مباشرة . وقد رفع لواء هذه الحركة الأخوان (ويلاند ويوهان هيرتسفيلده) وفرانز يونغ وراؤول هاوسمان ويوهانس بادر وريتشارد هولزنبك والرسام جورج جروز وفالتر ميهرنغ Mehring Walter .
وكان هذا الأخير آخر من تبقي من الدادائيين .عاش وحيدا في أخريات حياته في دار للمسنين بمدينة زيورخ . وقد التقته مجلة Plus قبيل وفاته فكان هذا الحديث: بدا ( فالتر ميهرنغ ) مفزعا لمن رآه للوهلة الأولي : شعر منفوش أشيب بلون القطن وساقان عليلتان متدثرتان بغطاء صوفي وذقن غير حليقة منذ أربعة أيام ٬ يجلس متراخيا فوق أريكة جلدية كبيرة في مواجهة صف من البيوت الشعبية ٬ الغسيل فيها يملأ الشرفات ٬ وصباغ يقف فوق الصقالات وغابة من الهوائيات فوق السطوح تحجب ضوء النهار ٬ أما يراه من الحياة : ليس منظرا جميلا. دار المسنين (أرلنهوف) الواقعة خلف محطة قطار البضائع في زيورخ كانت آخر دار مقام للمولود في ( براندنبورغ ) الذي كتب عن (كورت توخولسكي) سنة 1920 قائلا : اذا كان الزمن المعاصر ينجب لنا شاعرا معاصرا فمكانه هنا . وما زال يتحدث حتي اليوم عن (توخولسكي) بوصفه صديقه الحقيقي الوحيد.
ويؤلمه أن لا يكون قد عرف دواخل نفس هذا الصديق في ذلك الحين : أنا نفسي انخدعت بتوخولسكي . لم أكن أعلم أنه في حقيقته انسان يائس . لم يدر بخلدي قط أّنه سينتحر عام 1936. رغم هذه الصداقة ورغم الكثير من الأصدقاء والصديقات فقد بقي فالتر ميهرنغ دائما رجلا نفورا بل ومتبرما.
وكان بذلك أبن أبيه (زيغمار) الذي سجن سنة 1899 لمدة ستة أشهر لمهاجمته الحلف القائم بين الكنيسة والبرجوازية والجيش في الجريدة الهزلية (أولك) Ulk. وبعد ثلاث وثلاثين سنة رغب أحد رموز السلطة الجديدة آنذاك أن يعلق الابن علي حبل المشنقة . ففي خطابه بمناسبة أعياد الميلاد 1932/ 1933 ٬ قال يوسف غوبلز : في السنة القادمة نحن موجودون . وسأقوم شخصّيا بتأديب أربعة من المتوحشين الأذكياء : (ألفريد كير) و (توخولسكي) و(أوزيتسكي) و (ميهرنغ) وكان غوبلز يعرف عمن يتحدث.
فهذه الأسماء الأربعة تقف الي جانب الثقافة الملتزمة لعقد العشرينات في المانيا . و (ميهرنغ) هو زعيمهم. ابتداء من توخولسكي Tucholsky الذي صحبه الي (مسرح العالم).
ومن ماكس راينهارت Reinhardt Max بوصفه مؤلف الكاباريه الذي جاء به الي (الدوّي والدخان). ومن ارون بسكاتور Piscator Erwin الذي ادي دور مؤلف مسرحي . ومن الناشرين كورت فولف Wolff Kurt و كيبن هوير Kiepenheuer وس . فشر Fischer . S الذي تقرب اليه كمؤلف ومشارك في تأسيس ( الدادائية ) Dadaismus ـ ذلك الآتجاه الفني الذي هضم العقل الباطن وسبق السريالية ـ كان ميهرنغ أيضا الشخص المسيطر علي مقهي (جنون العظمة) Grossenwahn ٬ هنا تتردد أمزجة مختلفة ٬ مثل بيتر هّله Hille Peter و ارش موهزام Muhsam Erich والزا لاسكر ـ شولر Else Schuler ¬Lasker وكذلك جوتفريد بن Benn Gottfried وجورج تراكل Georg Trakl وتيودور دبلر Daubler Theodor .
وعلي الشرفة يمثل الرسام جورج جروز Grosz George مرتدياجاكيتة من قماش مربعات كبيرة وطاليا وجهه بمسحوق أبيض ٬ يمثل الرجل الأكثر حزنا في أوربا كما يقول ميهرنغ. جورج جروز كان ثاني أهم رجل في حياة ميهرنغ . لقد رسمه جروز ( كما رسمه فيما بعد كورت شفترز ودورنمات ) ولكن الصورة فقدت في الرايخ الثالث.
يقول ميهرنغ : كانت أفضل صورة بورتريت رسمت لي وقد ضيف جروز لمدة من الزمن المهاجر ميهرنغ عندما رحل الي الولايات المتحدة الأمريكية. ويتذكر ميهرنغ ذاك الزمان بمرارة من كتب عليه الترحال الأبدي ويتمني لو أنه بقي هناك : كان وقتا جميلا هناك عند جورج جروز.
كنت كناظر في صومعة تقع علي البحر مباشرة. ليتني ما رحلت من هناك ٬ خصوصا من البحر . ويتمني أن تتاح له الفرصة لمشاهدة البحر ثانية : أتمني مرة واحدة في حياتي أن أري البحر ثانية ٬ ربما الأطلسي ولكنه بعيد وهي أمنية لن تتحقق . حصل الألماني فلتر ميهرنغ علي الجنسية الأمريكية غير أّنه لم يلبث في أمريكا طويلا ٬ اذ تركها ليظهر في برلين نهاية عقد الخمسينات ٬ ثّم يمم وجهه صوب باريس وأخيرا في القطاع الفرنسي من سويسرا. يقول : أنا في المنفي منذ 29 نيسان 1896 تاريخ ولادته. والآن وقد أقعده المرض تخثر في كلا الساقين وحال بينه وبين التجوال والترحال . فكانت هذه الدار ـ دار المسنين في ايرلنهوف زيورخ ٬ محطته الأخيرة. قلما يأتي لزيارته أحد . ورفاق حياته القدامي رحلوا منذ سنين . وهذه العزلة تؤلمه وتعتصر قلبه : طبعا أنا أعرف هاينرش بول وجونتر جراس.
كانوا دائما ودودين معي. وليس أكثر أتمني أن يكون لي اتصال مع الأدباء الألمان ٬ ولكنهم لم يأتوا لزيارتي . وفي الحقيقة ٬ اّن أعمال هذا الشاعر الألماني الوجداني قد نسيت أو أقصيت.
وقد جري الحديث عنه مّرة ثّم كتب عنه أحيانا أخري ٬ كما في الكتاب الذي الفه راينهارت ماير Reinhart Meyer الموسوم بـ دادا في زيورخ وبرلين والصادر سنة 1973. ما الذي بقي في المانيا من فالتر ميهرنغ ؟ بقيت فيها الأغنية الشعبية فتيات سان باولي ترددها حنجرة المطرب هانز البيرت دون أن يعلم الكثيرون أّن الذي كتبها فالتر ميهرنغ . والرجل الذي أضناه التجوال والترحال من بلد لآخر حتي أقعده المرض والشيخوخةفي أخريات أيامه قد أضاع حقيبة كبيرة ملأي بأشعاره ورسائله ومنها رسائل متبادلة له مع توخولسكي وواحدة أخري ملأي بتخطيطاته ورسوماته ومنها رسومات كثيرة شارك فيها في معارض أقيمت في عقد العشرينات من القرن الماضي . يقول الشاعر : لقد أنجزت الكثير من التخطيطات ٬ منها لوحات كبيرة عن الريف والطبيعة والبورتريت والمدن الكبيرة.
واني أنتظر أن يعثر عليها أحد في مكان ما . ولا يحتفظ ميهرنغ طيلة هذه السنين الكثيرة الابملف رقيق تزينه رسومات الأزهار يحمله معه أينما حل وارتحل. يضم بين دفتيه بضع لوحات لروايته الجزائر ـ أو الواحات الثلاثة عشرة العجيبة التي نشرة لأول مّرة سنة 1927 وأعيد طبعها مّرة ثانية سنة 1980.
قال ميهرنغ قبل أن نودعه : اني أشتغل الآن لانجاز كتاب عن سويفت Swift . وأتمني أن أفرغ من تأليفه قريبا . وأتمني أيضا أن أري البحر في يوم ما.

*عن مجلة التشكيلي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة