«فئران أمي حِصّة» تُحذّر من طاعون الطائفية في الكويت

رقابة منعتها رغم أنّ صاحبها فاز بجائزة البوكر للرواية
موسى برهومة

«فئران أمي حصة» للكاتب الكويتي سعود السنعوسي، الممنوعة من النشر في الكويت، تناولت التحولات السياسية التي عصفت بالكويت بقالب ديني سياسي بحت.
رغم أنّ الرقابة في بلده كافأته بمنع روايته الجديدة «فئران أمي حِصّة» إلا أنّ الروائي الكويتي الشاب سعود السنعوسي، لا يأبه بقرار الرقيب الذي يصفه بأنه «مغلوب على أمرِه، ومهزوز الثقة، وأبعد ما يكون عن القراءة والثقافة».
وينتسب السنعوسي إلى جيل من الروائيين الذين يطمحون، من دون أن يكشفوا عن ذلك، إلى إعادة ميراث الكتابة الملحمية الكلاسيكية، كما تجلت لدى علمها الأبرز دويستوفسكي، ونظيريه العربيين نجيب محفوظ، وكذلك عبد الرحمن منيف الذي أرّخ لحقبة «مدن الملح» في الخليج العربي. السنعوسي (35 عاماً) فاز بجائزة البوكر العالمية للرواية العربية عن روايته «ساق البامبو» التي تطرح سؤال رعب الهوية من خلال قصّها حكاية شاب ولد لأب كويتي من أسرة عريقة، وأم فلبينية، لتتوزع الرواية على هذين التشظيين الملتبسين اللذين تكتنفهما عواصفُ الثقافات وهي تتغذى على الهامش وتهمل المتون الإنسانية الموّارة بقيم الحياة.
في روايته الجديدة «فئران أمي حِصّة» التي تدور على امتداد مساحة زمنية تقارب الأربعين عاماً، ينبش السنعوسي في التحولات السياسية التي عصفت بالكويت، وكان أضخمَها غزو صدام حسين لهذا البلد واحتلاله. وينشأ السرد من خلال روايات وأصوات متقطّعة تنجم عن صداقة 3 صِبية يسكنون مكاناً واحداً منذ صغرهم. ترصد الرواية تطور علاقاتهم، وفقاً لما يدور حولهم من أحداث حادة تتخذ طابعاً سياسياً ودينياً.
الرواية تتساءل كيف لمثل هذه الأمور، ومنها الحروب، أن تؤثر تأثيراً مباشراً في سلوكنا وأنماط تفكيرنا، وكيف لها أن تحدّد علاقاتنا وتؤطرها؟
ولئن كان السنعوسي في «ساق البامبو» عالج رعب الهوية والخوف الدائم على الاسم والنسب والانتماء القبلي، والأعراف العنصرية. وحاول أن ينشيء معايشة مؤقتة ما بين «هوزيه ميندورا» و «عيسى» الذي يحفظ النشيدين القوميين للكويت والفلبين، إلا أنّه في «فئران أمي حصة» يصطدم بالهويات القاتلة.
فلم يعد السؤال حول المزيج الجيني بين الكويتي والفلبيني، بل أضحى الأمر أشدّ انشطاراً بين الناس أنفسهم أصحاب الأرض والوطن والأحلام. يندلع كالنّار سؤال الهوية الفتّاك: سني شيعي! بين النواصب والروافض!
بين الرواية والواقع!
هناك، في الرواية والواقع أيضاً، نقطتا تفتيش أمنيّتان بين السُرّة والجابرية وهما منطقتان كويتيتان، يكون على البطل عند كل نقطة أن يظهر انتماءً يرضي المسلّح الشاهر سلاحه في وجهه عند نقطة التفتيش. فإن كانت سُنية أدار مؤشر الراديو على «إذاعة الحق»، وإن كانت شيعية وضع في أصبعه خاتماً من العقيق الأخضر، وإدار مؤشر الراديو إلى إذاعة تبث أناشيد للإمام الحسين.
هذا الزمن الكويتي الذي يحدث في العام 2020 لا ينطوي على مفاجأة أبداً، فالرواية مُنعت بعد صدورها، لأنّ الرقيب أصيب بالهلع، وما يزال يعتقد أن بالإمكان محاصرة الأفكار وسجنها. إنه مثل دونكيشوت الذي يحارب بسيفه الخشبي طواحين الهواء. رغم أنّ الرواية طبعت أكثر من عشر طبعات متتالية!
ما يستشعره الكاتب، في تعليقه على قرار المنع أو الإجازة، هــو «الــوجع بأنك تشاهد بلادك مختطفة ولا تشبه بلاداً تعرفها»!
ولعله ليس وحسب زمناً كويتياً، بل إنه معطوف على زمن عراقي، وآخر يمني، وسوري، وبحريني، وليبي.
وكلهم يغرفون وينوّعون على الزمن اللبناني أيام الحرب الأهلية التي استمرت أكثر من خمسة عشر عاماً، وأدت إلى مقتل ما يزيد عن 150 ألف شخص، وتشريد 40 ألف مهجر و17 ألف مفقود ومخفي قسراً.
ولا تنسى الرواية أن تذكرنا بحرب أخرى نشبت بين التاميل والسنهال في سيريلانكا، وهي ما تتذكره الخادمة السيرلانكية بهلع.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة