مجرّة العقل المسافر

رأيت الكثير من الروائيين والشعراء والكتاب غير مدركين قاموسهم الفقير وأفقهم المحدود ووعيهم الضحل بسبب عدم المغامرة بالسفر والرحيل، حيث ينشط الخيال في السفر وينمو تحت الاقدام مكان وزمان يقع خارج تجربة العقل فيرى الانسان نفسه كم هو صغير في العالم وكم هو ضئيل وقليل الخبرة وزائل اذا لم يسافر في عقله أيضا. كما رأيت البعض من المبدعين أنسدت بوجوههم آفاق السفر ولم يغادروا مكانهم طيلة العمر فراحوا يجوبون العالم ويسافرون من بلد الى أخر من خلال الخيال والسفر العقلي، نشط عندهم التعويض الحر لسد نقص المعرفة المكتسبة بالسفر. ثم ان السفر حرية ونضج نفسي واضافة مهارات عقلية يتعلمها الأديب من خلال الآخر بينما ينغرس العقل غير المسافر بمحدودية المكان وزمانه فلا يستطيع مغادرة سجن الـ (هنا والان) ويرتبط بقانون ونظام المكوث حتى يصير عبودية لا فكاك منها إلا بمغامرة الرحيل. ولو فكر كل واحد بمغزى سفر الحيامن المنوية في رحم الانثى وتكون الجنين، والسفر من الطفولة الى المراهقة ثم الى الشباب والكهولة بعدها السفرة المجهولة بعد الموت والغياب العظيم من الحياة، كل هذه الرحلات داخل الجسد يمكن اكتشافها في الانتقال خارج الجسد من بلد الى بلد.وهكذا يصير الكون جسد أيضا يسافر فيه المبدع من مجرة الى مجرة ومن ذرة الى ذرة. ان ثقافة السفر تجيء من تزامن الرحلة الداخلية في قارة العقل ومن الرحلة الخارجية في قارات الارض،حيث نرى الكثير ممن سافر وقام برحلات مكوكية بدون توسع في الآفاق ولا نضج في العقل ولا رحابة في الوعي إذ بقي متطرفا وعنصريا لم يغادر قوميته ولا دينه ولا طائفته،ظل سجين الماضي واللحظة الميتة الى غادرها الوعي البشري. مثل هؤلاء سافروا لكنهم بقوا عبيد وعيهم الاول الراسخ في الاساطير المتحجرة بعكس بعض المبدعين ممن لم يسافر ويرحل من بلد الى بلد لكنهم تحرروا من عبودية المكان وضحالة الزمان من خلال جواز سفر الخيال الذي اكتشفوا به كل تضاريس قارات الارض وألوان الناس وعقائدهم، عرفوا الآخر من خلال مرآة الذات المسافرة عقليا. من محطات الرحلة تتضح ملامح وعي الكاتب المسافر حيث الثراء في القاموس اللغوي والغنى في مدن افكاره والنمو النوعي في خلاياه المعرفية. الاديب المسافر مواطن عالمي بعد كشف أقنعة الهويات الدينية والقومية والمذهبية، بل راح يصارع تلك الهويات المتعطشة للدم والتي تجاهد للفتك بالآخر. الرحيل صقل معدن الذات وجلي وتشذيب الموهبة والسفر هو اتساع قلب الحب وهو يضم كل البشر لا النسخ المتكررة من ذواتنا. كذلك يجب علينا توقيت التزامن بين السفر العمودي والسفر الأفقي بحيث لا يتجاوز احدهما الآخر فينحرف مسار الرحلة ونرجع الى نقطة الصفر، السفر العمودي هن هو سفر العقل بالتزامن مع سفر الجسد والاقدام، وربما يحدث كما يقول الشاعر أليوت: وسيكون غاية تقصينا / ان نعود الى المكان الذي منه انطلقنا / وان نعرفه للمرة الأولى.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة