قَطفةُ حزن حلبي لعيني السيِّدة

إلى الصديقة سوسن إكراماً للهفتها وخوفها على أبيها المُحاصر في حلب
محمد حيّاوي

حلب تُذبح بسِكّين الصمت قبل أن تُذبح بسكاكين الحقد الأعمى، أقصد تُذبح وتُنتهك حرمتها وتُغتصب بطريقةٍ تفاعلية وأمام انظار العالم مُتبلد الاحاسيس والغيرة والمعنى. العالم رجل عجوز أبله غير عابئ يتكوَّم كرشه فوق ركبيته وهو يجلس على الأريكة متمتعاً بمشاهدة أخبار المساء في التلفاز، التلفاز الذي يعرض ببهاء احتراق المدينة. وكلما طارت ذراع طفلة في الهواء ابتلع قطعة من رقائق البطاطا المقرمشة. كأس البيرة الكبيرة أمامه يتفصد عرقها بفعل فداحة انفاسه النتنه التي تتكاثف فوق زجاج تلك الكأس وتنزلق بتؤدة وتعرّج. حتّى آخر الليل، حين لم يبق متسع في المدينة لقذيفة أخرى، يقرر الخلود إلى النوم، لولا أن سوسن الحلبيّة خرجت له من زهرية الكريستال الموضوعة على طاولة الطعام وصفعته على خدّه المتهدل مثل أثداء العجائز، وقبل أن يفيق من الصدمة غرزت سبّابتها في عينه فصرخ من الألم واستدار ناحية الجدار مُدارياً عُريه المترهل..
ـ هل أوجعتك سيّدي؟
سألت سوسن قبل أن تتجه إلى الصالة وتعيد تشغيل جهاز التلفاز، ثم ترمي جهاز التحكم حيث الخسف الذي تركته عجيزته على الأريكة
ـ عَيني
صرخ العالم بألم
ـ لا عليك.. تستطيع أن ترى بعينٍ واحدة الآن.. دعنا نُكمل الحفلة.. كيف سيُغمض لك جفن وحفلة القتل ماتزال مستمرة يا سيّدي.. ثمَّة اجساد غضة لأطفال يختبئون تحت طاولة الطعام لم تُقطّع بعد.. ما بك؟! ألا ترى؟!.. كيف يطيب لك النوم وابناء زناك لم ينجزوا فعلتهم بعد.. ألم ترَ وعد.. ها؟ وعد.. تلك الطفلة التي كانت تعزف البيانو باصابعها الرّقيقة وهي مكتملة الجسد!.. اليس من المفروض تقطيعها وتعليق أشلاءها الغضة على شجرة الميلاد في الصالة.. ها؟!.. ما بك؟! هل نسيت القواعد؟!.. الست من يدعو لاتقان العمل وعدم تأجيله..
كان العجوز يتأوه من الألم وهو يغطي عينه النازفة بطرف قميصه القطني وظهر كرشه الكبير متهدلاً ومشعراً بطريقة مهولة، لكنه كان يستطيع النظر بعين واحدة فعلاً، تارة إلى الشاشة الكبيرة وأخرى إلى سوسن المنتصبة وسط الصالة وتنظر بدورها إلى المشهد الدامي والدموع تنساب من عينيها الجميلتين.
حين رأيتها لأوّل مرّة لم أدرك انّها حلوة إلى هذا الحد في الحقيقة، أقصد حلب وليس سوسن، على الرغم من أن الأخيرة حلوة أيضاً، لكن حزنها سرق بريق عينيها وسربل روحها الخوف على مصير أهلها في المدينة برداء أسود كلّما تبدّده بكفها الصغيرة يعود للتكاثف من ةجديد.
كنا نجلس إلى طاولة حفل التوقيع في جناح دار الآداب، أنا والأعرج واسيني والبكاري طارق، عندما اتجهت صوبنا سيّدة جميلة تحمل بيدها كتبنا التي اشترتها وقالت مبتسمة
ـ بمن نبدأ ليوقّع لي؟
ـ بي
هتفت فرحاً بعد أن نهضنا جميعاً واقفين احتراماً لاقترابها من الطاولة
ـ لا بل بي.. أنا الأكبر هنا
قال واسيني
ـ بل بي.. فأنا الأفتى من بينهم
اردف طارق
وحين قدّمت لي نسخة روايتي سألتها عن اسمها لأوقع قالت
ـ أسمي سوسن
ـ من أين أنتِ سيّدتي
ـ من حلب
كانت اجابتها مُقتضبة ومباشرة وسريعة كما لو كانت تنطق ببديهة مألوفة، لكن الكلمة كانت كافية لتصعقنا جميعاً، فقطع واسيني وطارق حديثهما الجانبي وتيبست يدي على القلم، وحين نظرت إلى وجهها الحسن غمرتني ابتسامتها العفويّة.
كان زوجها، الذي صار صديقي لاحقاً قد ابتعد بطفلهما يُداعبه ويُلهيه كي لا يشغل أمه تاركاً المجال لزوجته الأنيقة تحاور كتّابها المفضلين بثقة
ـ هل رأيت حلب من قبل؟
سألتني سوسن وماتزال الابتسامة الآنيقة مرتسمة على محياها.. قلت
ـ طبعاً.. قضيت فيها أجمل عشرة أسابيع يمكن ان تصادفني في حياتي
ـ أنا ابنة لفنان تشكيلي أيضاً هل تعرفه؟
يا إلهي!!.. كم تتمتع بتلقائية مذهلة تلك السيّدة الحلبية، ولم تكن لتنتظر جوابي فاسترسلت قائلة
ـ لقد قصفوا مشغله.. لم يتهدَّم كله.. انهَّد ضلع واحد منه فقط لحسن الحظ
ـ من؟!! والدك أم مشغله؟!
ـ كلاهما في الحقيقة.. هو الآن في حلب.. أمس تحدثت معه.. حين يرسم يحتضن جانبه الموجع قليلاً بينما اكتفى بوضع ستارة من الجوت بدل ضلع المشغل الذي انهدم.. قال ماشي الحال يا ابنتي.. لا يظل بالك.. لكن بالي سيظل غصباً عني.. قبل يومين حين اتصلت به كان بامكاني سماع دوي الانفجارات عبر الهاتف وظل يردّد استرنا يارب بين الحين والآخر بالتزامن مع سقوط القذائف. كانت تتحدث بألم، وكنت احاذر النظر إلى عينيها العسليتين خوف ان تخجل من دموعها، لولا انّها سألتي بعفوية كعادتها وابتسامتها لم تزل مُرتسمة على محياها
ـ هل كتبت عن حلب إذن؟
ـ بالطبع كتبت يا سيّدتي
ـ أها.. هات أخبرني.. ماذا كتبت عنها؟!
ـ كتبت رِوايَة كاملة اسمُها لا عذارى في حلَب
ـ لماذا؟
ـ لماذا ماذا؟
ـ لماذا لا توجد عذارى في حلب؟
ـ لأن العذارى ملائكة طاهرة ما ان تحضر الحرب حتى يغادرن المدن
ـ يا ويلي.. يا لحلب.. يا لمراتع الحب والجمال والدراسة والصبا فيها.. لقد أوجعت قلبي يا سيّدي
ـ أعتذر..
ـ على العكس.. انت كل ما فعلته هو تصويبك لشظية مرآة صغيرة نحو المدينة الذبيحة.. أزعم بانّني اعرفك حين تكتب عن المدن..
قالت ذلك وهي تُداري حزنها، أما أنا فكان كل همي كيف أحتفظ بحلب الحزينة تلك لي وحدي، أقصد كيف أستطيع احتكار قصتها والتخلص من وطأة حضور واسيني المتربص بلهفة وهو ينتظر دوره ليوقّع لها قصة العربي الأخير خاصته. كان يصغي لحديثنا وهو يبتسم، كما لو كان يعرف نيّتي وانانيتي المُلحّة، ولحسن الحظ كان ثمّة الكثير من قرّاءه يتجمعون حوله. قلت لسوسن متساءلاً
ـ لِمَ لَم يغادر والدك حلب مثل الكثيرين؟
ـ هو لا يقوى على امتداد نياط قلبه كل هذه المسافة
ـ وأنتِ؟.. هل قدرتِ؟..
ـ أنا مازال قلبي فتياً.. أو على الأقل هكذا أزعم، على الرغم من الحزن الذي أفسد عليَّ أيامي المسترخية في ابو ظبي.. لولا تفهم زوجي واتساع حلمه وصبره المُحب على ألمي ما كنت لأقوى على ذلك في الحقيقة..
وراحت تقلّب صفحات روايتي التي بيدها وأعادت قراءة الاهداء من جديد قبل أن تلتفت صوبي وتقول
ـ حدثني عن روايتك الجديدة لا عذارى في حلب..
ـ اخشى ان تحزنك فوق حزنك يا صديقتي
ـ ولو.. أنا أدمنت الحزن وبات غذاءً لروحي الملتاعة.. إقرأ لي مقطعاً ولو قصيرا منها أرجوك.. ينتابني الفضول لأعرف عن ماذا تتحدث.. أتخيَّل لغتك الغريبة وأسلوبك الموجع يا صديقي..
ـ حسناً لقد حذّرتك.. ذنبك على جنبك إذن.. اسمعي هذا المقطع القصير من المستهل..
ـ «أنا قدر المدينة كُلّها أيها المشرّد.. أنا الستائر السود التي تخفق أطرافها في ظُّلمة النوافذ المهجورة فتخالها أشباحاً تُحييك من بعيد أو تصغي لموسيقاك وانت تعزف في الليالي الباردة.. أنا الغُمامة الدكناء التي تصطاد العصافير الميّتة وتلقي بها في شرفتك حتَّى تجفّ روحك.. أنا الريح التي ستخطف نُطفتك من أحشاء امرأتك المفجوعة.. فلا نسل لك ولا ماضٍ.. ما بك؟!!.. في تلك المدينة التي أكلت عذراواتها وجف زيتونها لا مكان لأيامك المقبلة.. لا شيء في الحقيقة سوى الليل المُطبِق يُبعثر أحلامك ويُلاحقها كما تُلاحق الأفعى بيوض القُبّرة. فمخيلتك بتراء وحاضرك عقيم.. لا تحلم حتَّى.. أنَّني انصحك وحسب.. لن تجني سوى الخيبة. استسلم لحياتك العاقلة تلك، فحتَّى الجنون بعيد المنال في حالتك».
ـ ها؟!! هل اكتفيتِ؟
كانت سوسن مُطرقة تصغي للكلمات وما أن توقفتُ حتّى رفعت رأسها وحاولت رسم ابتسامة مُغتصبة
ـ يا إلهي.. ما هذا الوعيد؟!.. كيف تكتبون كلاماً كهذا.. تعتمل داخلي مشاعر جمّة واضطرابات اتمنى لو أستطيع كتابتها بهذه الطريقة.. ما هذا؟.. من يتوعد من في روايتك تلك.. لقد أفزعتني
ـ في الواقع هو قدر البطل «بسّام» يتوعده وفق مسار حياته في الرواية..
ـ هل لي بمقطع ثانٍ مثل هذا واعدك بانّني لن أطالب بالمزيد
ـ الرواية لم تنشر بعد واخشى ان يعترض الناشر.. لكن حسناً.. اكراماً لك سأكمل لك المقطع الذي بدأته وان كان موجعاً وسوداوياً.. اسمعي يا سيّدتي ومازال الحديث لقدر «بسّام» يتوعده:
«ماذا اعتقدت؟!.. ها؟!.. هل كنت تعتقد أن الأمر هيّن؟!.. يا لغبائك.. أنظر إليك!!.. امامك طريق طويلة تملؤها اللوعة والحيرة.. ستتعدّد خياراتك لكنَّك ستعجز عن الاختيار.. تنهض من تردّدك فتنسى بعضك على الطاولة.. رأسك في حلب التي تفترشها الثعالب والخفافيش وتأكل الكلاب السود عذاراها وجسدك بارد تُدثره غيوم امستردام الرمادية الثقيلة وتتنازعه الغريبات.. حتَّى ندى.. شجرتك الحلبيّة، أو عذراؤك داخل شرنقتها، لن تعرفها بعد اليوم.. لست أتوعدك صدّقني.. إنما هو قدرك المُفترش بالخيبة والخوف، بالضبط كما هو قدر المدينة نفسها».
كان المساء قد حلّ والولد ، ابن السيّدة سوسن، قد ملّ اللعب مع أبيه، وواسيني استحوذ عليه معجبوه واتجهوا به إلى مكان في عمق المعرض، ومن بعيد، من وسط حشود الزائرين لوحوا لي جميعاً مودعين، السيّدة سوسن وزوجها وولدهما الصغير، وفي لحظة خاطفة من الزمن شعرت بوجيب حزن مؤذٍ ينبثق في صدري لم اتمكن من مداراته، وعندما سالتني صديقتي الناشرة عن سبب انزعاجي تحججت بتعب النهار وخرجت إلى الحدائق المحيطة لأدخن واتأمل النخلات المغتسلة بهجير الحر اللاهب في الخارج بينما كان قلبي يحترق ببطء مع احتراق سيكارتي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة