رفقاً بغرامشي

انطونيو غرامشي المناضل والمفكر الايطالي الذي رحل عن عالمنا عام 1937 في احدى المعتقلات الفاشية، ترك لنا ارثاً متوهجاً من الكتابات والافكار وشكلت بمجملها محطة لقاء مميز بين الثقافة والسياسة، عكسته المقولات المرافقة لاسمه؛ مثل (المثقف العضوي) و (الكتلة التاريخية) و (المجتمع المدني) وغير ذلك من المقولات والمفاهيم التي اكتسبت شحنات اخرى بعد رحيله، وكانت محط اهتمام الباحثين والمهتمين من مختلف البلدان. ذلك الارث الانساني لم يشذ عن ناموس الحياة وديالكتيكها، والذي دونته عبارة غوته بدقة: (النظرية رمادية اللون يا صديقي، لكن شجرة الحياة خضراء على الدوام) لذلك لم يستثن غربال الحركة المضطردة للتطور ذلك الارث، ليمكث قسمه الدائم الخضرة، والمتعلق بنفوره من كل ما له علاقه بالمنهج الدوغماتيكي واعتماده العقل النقدي الذي يقتفي اثر الحياة وظواهرها في صيرورتها الدائمة.
ما جرى مع غرامشي في مضاربنا المنكوبة بانواع من “المثقفين” لا هم “عضويين” ولاهم “تقليديين”؛ امر محزن حقاً، فقد تناهبت فزعاتهم القسم الجاهز من ذلك الارث او ما يمكن ان نطلق عليه (الرمادي) اي المقولات التي اختمرت في تلك البيئة والتحديات التي عرفتها ايطاليا زمن صعود الفاشية وموسوليني نهاية الربع الاول من القرن المنصرم. على سبيل المثال لا الحصر مقولة (الكتلة التاريخية) والتي تشبث بعروتها بعض المتقمصين لادوار التنظير، حيث سقطت بهمة لجاجتهم، سقوطا حراً على تضاريس المشهد الراهن، لتزيد من غرائبيته المتورمة اصلاً. عن اية “كتلة تاريخية” يجري الحديث، في مضارب شهدت عودة الفردوس المفقود (الخلافة) واستردت فيه القبائل كونفرنساتها بوصفها منظمات مجتمع مدني وفقاً لآخر الابتكارات النظرية وغير ذلك من التهوعات التي لم تخطر ببال غرامشي ورفاقه. مثل هذه الاسقاطات لا تقل خطورة عن الاجتهادات الاسلاموية التي اعتصمت بكبسولة (الاسلام هو الحل) وحولتها داعش الى واقع على اسلاب بني امية وبني العباس. ما نحتاجه من غرامشي وباقي العقول النيرة، ليست هي المقولات الجاهزة التي اشرنا اليها، بل واقعيته وديناميكيته في التعاطي مع حقائق الواقع ومعارفه المتغيرة ابداً. نحتاج الى مثقفين عضويين يتمتعون بالمسؤولية والشجاعة لمواجهة تحديات عصرهم وهموم بيئتهم المحلية، لا الترويج لنرجسيتهم المتورمة بالنصوص والديباجات مفصولة الجذور، والتي تعج بها كتاباتهم عن المشهد الراهن البعيد كل البعد عن خيالاتهم وامنياتهم الطوباوية. مساع تحاول عبثاً ان تجمع بين فلول اليساريين القدامى، من الذين همشتهم سياساتهم الذيلية المتنافرة وروح اليسار ومشروعه وثيق الصلة بالحرية والعدالة الاجتماعية والحداثة، وقوى من يمين الاسلام السياسي وعباءة القرن السابع الهجري، تحت ذريعة الاواصر الاجتماعية التي تربط بينهما، ليصنعوا من ذلك التحالف؛ معولاً لتقويض الدولة، عسى ان ينهض من انقاضها فردوس الكتلة التاريخية الموعود..!
نوع من “الأفندية” لم يحظ الرفيق فهد بفرصة التعرف عليهم وعلى اطروحاتهم الفنطازية العابرة لزجر الزمان والمكان. يقبعون في بروجهم العاجية، ينتشلون مفردة من هنا ومصطلح من هناك، مع رشة من البهارات التعبوية، ليهبوا الجموع المحتشدة في مخيلاتهم، خططاً وتكتيكات تبهت امامها واقعة اقتحام البلاشفة لقصر الشتاء. لا غرامشي ولا “مثقفه العضوي” و”كتلته التاريخية” وباقي صقالات ذلك البناء الفوقي يمتان بصلة لثوابت مجتمعات ترصع جبهة بنيتها التحتية حوافر قوافل لا تجيد سوى اعادة انتاج اجيال جديدة من عمليات تخصيب الحوسمة والفرهود..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة