الأخبار العاجلة

زومبي بوتاميا

كما هو حال الحجر الصحي، والذي تستعين به المجتمعات لحماية نفسها من الامراض الخطيرة المعدية، عبر الحجر على ضحاياها، وابعادهم عن باقي افراد المجتمع، كذلك هو حال وباء آخر لا يقل فتكاً عن تلك الامراض التي تصيب جسد الانسان، وباء يفترس اهم خصيصة لدى الانسان (عقله وفكره). ولتقريب صورة هؤلاء المعطوبين فكرياً الى القارئ يمكن القول انهم أشبه ما يكون بالمخلوقات الممسوخة التي عرضتها هوليود بسلسلة من افلامها اي (الزومبي) بقايا بشر انقطعت بهم السبل للعودة الى طبيعتهم الاصلية. مصيبة العراق ان مقاليد اموره ومنذ عقود قبل “التغيير” وبعده قد تلقفتها القوافل الزومبية هذه، والتي تقف خلف كل هذه الوحشية والغرائبية في المشهد الراهن. من دون ادراك هذا الخلل البنيوي والاحتياطات الهائلة من الملاكات الزومبية التي تمده بكل اسباب التمدد والبقاء، لا يمكن اجتراح مأثرة الخطوة الاولى في مشوار الالف ميل لانتشال مشحوفنا المشترك من دوامات الدمار التي استفردت بنا من دون خلق الله.
يعد نظام “جمهورية الخوف” والذي بسط هيمنته المطلقة على تفاصيل حياة سكان هذا الوطن القديم لما يقارب الاربعة عقود، هو الحقل الاوسع والاكثر نجاحا في تخصيب وانتاج هذه السلالة الممسوخة من البشر، وقد اشرنا في غير القليل من كتاباتنا قبل التغيير وبعده، الى هذا الجانب الاجرامي في طبيعة النظام المباد (مؤسسات ومنهج) حيث استنفروا جميعا لمحق بوصلة كل من وضعه حظه العاثر تحت رحمتهم، ومن الاهمية بمكان الاشارة الى ان هذا النصيب لم يستثن المنضوين الى مؤسسات ذلك النظام وعلى رأسها شبكة اجهزته القمعية والاخطبوطية. كما ان عفن المنافي ومناخاتها الموبؤة بكل ما هو متنافر وكرامة الانسان، قد تكفلت بمثل هذا الدور في انتاج نسخ اضافية من هذه الزومبيات.
ما نشاهده اليوم من فصول ومشاهد غرائبية، هي نتاج طبيعي لتظافر جهود وشراهة زومبيات الداخل وزومبيات المنافي، وهذا ما جعلني اطلق مفردة (المنكوب) على وطن التجارب هذا، والذي رسمت مصيره القوافل الوافدة قبل أكثر من 1400 عام عندما طوبته باسم (بستان قريش) هذه الصرخة التي يتوجب على كل من مازال يمتلك بقايا من بوصلته العقلية والوجدانية الالتفاف حولها، والمطالبة بقرار اممي يعترف بالعراق كمنطقة منكوبة بقوافل الزومبيات. من دون هذا الحجر الاممي وخاصة على من تورمت ادوارهم وهيمنتهم في المواقع المفصلية للدولة والمجتمع، لا يمكن انتظار غير هذه الفصول والفزعات التي جربناها برفقتهم منذ لحظة تلقف اطفال بغداد لرأس عراب الزومبيات حتى يومنا هذا.
خطورة هذا الطور من الزومبيات، انه لا يختلف عن المخلوقات السليمة من ناحية الشكل وحسب، بل غير القليل منها يمتلك مظهرا غاية في الاناقة والوسامة والوجاهة، وهذا ما يعسر من مهمة التعرف عليهم، على عكس الزومبي الذي صنعته استوديوهات هوليود بشكله وحركاته البشعة، والذي لا تخطأه العين المجردة. لكنها تلتقي جميعها، بغريزتها المندفعة بجنون الى غايتها واهتمامها الوحيد؛ الا وهو تحويل أقدم الاوطان (الميزوبوتاميا) الى أول مستوطنة لهم وتغيير اسمها الى الزومبي بوتاميا وليخسأ الخاسئون..!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة