الأخبار العاجلة

الانقلاب التركي .. حماقة أم دهاء؟

شهدت تركيا عبر تاريخها الحديث (العصر الجمهوري) سلسلة من الانقلابات قادها الجيش التركي بوصفه حامي العلمانية والدستور، كان آخرها عام 1997 ضد رئيس الحكومة الاسلاموي اربكان، وكانت تلك الانقلابات تتم بسلاسة تقريبا عبر تناغم عمل جميع الاجهزة العسكرية والامنية. لكن ما جرى مؤخراً من سيناريو لاعادة انتاج ذلك الارث، اختلف تماما عما كان يحصل سابقا، مما يضعنا أمام مشهد ملتبس لا يخلوا من العديد من الشكوك والتساؤلات، حول الدوافع الحقيقية لتلك المحاولة الفاقدة لابسط شروط النجاح؟
حاليا لا نملك غير هذه الشكوك، والتي نامل ان تتضح في الايام والاسابيع القريبة المقبلة، خاصة بوجود اعلام فعال وتعددية ما زالت تتمتع بالحيوية اللازمة لسبر غور مثل هذه الاحداث في بلاد الاناضول. لكن وبالرغم من عدم توفر التفاصيل الفعلية لما جرى، يمكننا التقاط عدد من التصورات الاولية عن ذلك الحدث، وعبر معرفة المستفيد الاول من مثل هذا الانقلاب الفاشل مسبقاً. لن نجافي الواقع عندما نجد بالسيد رجب طيب اردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) يتصدر قائمة المستفيدين من مثل هذا العمل الاحمق والذي لم يكلف القائمين عليه انفسهم بتدبيج بيان واضح لعلل حركتهم هذه. في مثل هذا الظرف والشروط غير المناسبة للسيد اردوغان بعد الفشل الذريع الذي لحقت بسياساته المحلية والدولية مؤخراً، كان بامس الحاجة لمثل هذا الحدث، كي يسترد عنفوانه وتطلعاته التي تساقطت بمواجهة صخرة الواقع والتحديات الفعلية لعصرنا.
لن يمر وقت طويل على تلك المحاولة الانقلابية، حتى نكتشف معاً معنى ما يقصده السيد اردوغان من عبارته الاخيرة عن نهاية تركيا القديمة..! الاخبار تتابع حملة الاعتقالات الواسعة التي تقوم بها اجهزة الامن المعروفة بولاءها للسلطان التركي الجديد؛ للمئات من العسكريين الاتراك، والتي تشير الى الطور الجديد من استهداف مؤسسة الجيش التركي والتي تشكل التهديد الوحيد والاساسي لطموحاته غير المحدودة. ستكشف لنا التطورات والقرارات المقبلة عن المغزى المقصود من موت تركيا القديمة وماهية تركيا الجديدة التي يبشرنا بها المرشح الرسمي لجماعة الاخوان المسلمين العالمية للمنصب الذي اختطفه زعيم داعش اي (الخليفة).
لكن في نهاية المطاف تبقى مثل هذه التطورات الدراماتيكية في المشهد التركي، دليلا على المأزق الشديد الذي انحدرت اليه بلاد الاناضول جراء تخبط حكام انقرة الحاليين، وهي مع مثل هذه المعالجات قد فقدت الكثير من سمعتها وهيبتها المحلية والاقليمية والدولية. وحتى لو صدقت الاتهامات الحكومية للسيد فتح الله غولن وجماعته الدينية في الوقوف خلف الحركة الانقلابية الاخيرة، فهي تؤكد ما أكدته تجارب الدول والمجتمعات مرارا؛ من خطورة هيمنة الآيديولوجيات والعقائد الضيقة على مشروع بناء وترسيخ الدول الحديثة. وهنا لن تفضي جهود اردوغان في تطهير مؤسسة الجيش التركي واعادة بنائه بما يتفق والاحلام المتدفقة الينا من عصور السلف الصالح وباقي السرديات التي اعادت الروح للفردوس المفقود (الخلافة)؛ لغير المزيد من الحرائق والحروب المحلية والدولية. عسى ان تسير التطورات المقبلة عند الجارة تركيا، على طريق الحكمة والواقعية بعيدا عن عطابة (الاسلام هو الحل) بوصفه دواء لكل داء..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة