الأخبار العاجلة

موسيقى غابة الأسرار

لا نهاية لطاقة الحياة الموجهة من أجل الاستمرار في العيش مهما استفحل الشر وجثم شبح الموت على شوارعنا وبيوتنا حتى صارت لا فتات النعي السوداء أكثر من النجوم. لكن الهجمة العمياء الشرسة كانت على غابة أسرار الحياة، ونحن عميان كذلك بحيث أي شيء نعرفه من القشر فقط ونجهل عمقه: من ذرة التراب الى مجرات الفضاء النائية، مثلا لو نمسك حصاة او دودة أو فأرة فأننا لا نعرف عنها سوى شكلها الخارجي وبعض الصفات والسلوك لكن أسرارها تبقى مغلقة علينا وليس لدينا مجسات (باروسايكلوجية) لكشف بعض الخفايا والطلاسم.
خذ الوردة وحدق بها وتفرس بهالة عطرها سوف لا تعرف سوى شكلها الخارجي ورائحة العطر، لا نعرف كيف تنبت وتعيش وتذبل وتموت، هل نعرف لماذا تصنع عطرها الخاص الذي يختلف عن بقية كل الورود والازهار، لماذا هذا العطر بالذات وليس غيره، ولمن تصنعه وما الغاية منه وما هو الهدف من وراء بثه في الهواء، وهل ان خلودها في سر عطرها الذي يبقى منتشرا في الفضاء ومتحدا مع ملايين الموجودات الاخرى، هل تعي الوردة ذاتها ولماذا هي موجودة والى أين ستؤول وماذا بعد ذبولها وتلاشيها؟ أسرار كثيرة ومتنوعة وملونة ربما لا تكفي الحياة لكشفها وفك شفرتها ولا يمكن احصاء عددها. لكن المشكلة العويصة هي في تنافر وتناشز واحتدام تلك الاسرار بعد فور تدخل الانسان، بعدما كانت تعيش في انسجام واتحاد وتناغم مع أمنا الطبيعة. تعيش الطبيعة بدون تدخل الانسان في وئام وحب والتحام لا يستغني سر عن بقية الاسرار ، تعيش في روعة غابة تبدو وحشية من الخارج لكنها وديعة متآلفة من الداخل : سر يغذي سرا آخر في تلاقح سرمدي وتوالد لا ينتهي فيه النمو والاتساع والتكاثر. لكن الانسان تدخل وفرض عقله الارعن على جسد الطبيعة، العقل أخطر جرثومة وأفتك فايروس دخل الى دم الطبيعة، لذلك هي تعاني اليوم من التهدم والتدهور والنشاز والموت السريع ، الذي يأتي على شكل ثقب في الاوزون والايدز وتسونامي وزلازل وانفلاونزا الطيور وجنون البقر وغيرها الكثير من فايروسات البشر.
كل العلوم والحضارة والتكنلوجيا وما تعلمناه، كله صحيح ومفيد لكنه يسير في الاتجاه الخطأ والمدمر لذلك حل النشاز بكوارث طبيعية مع كوارث صناعية. هناك عدم انسجام بين الانسان والعلم والتكنلوجيا، عدم انسجام بين الصناعات مع بعضها البعض ومع الطبيعة، مثلا السيارة ضد الهواء وضد أشياء اخرى لذلك علينا اختراع وصناعة سيارة مثل الحصان من الطبيعة والى الطبيعة ينسجم معها ويكون جزء متمما لها. هذا مجرد مثال صغير فكيف عن المصانع العملاقة والطاقة النووية، كلها مفيدة لكنها تسير في الاتجاه الخطأ مع مسيرة الطبيعة والكون. والأخطر من كل ذلك ما ابتكره الانسان من عقائد واديان وفلسفات وايديولوجيات، كل هذه المبتكرات جعلت الاسرار تتقاتل فيما بينها في حروب طاحنة لوثت صفحة الطبيعة بالجريمة والنشاز والكوارث.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة