وجع الجداول للشاعر العراقي هاني النواف وأسفار الرؤيا في حدود خارطة ذهنية تستنطق الماء

الطاقة الذهنية في الاستنطاق الوجودي
أحمد الشيخاوي

في تسلسل فوضوي يؤثر اعتباطية البناء على نحو يخدم إلى حدّ كبير، تكديس زخم هائل من المعاني وتكثيفه في ومضات شعرية تستثير الفكر والعاطفة وتستجيشهما معا،يجنح هاني النواف إلى النفّس الواحد المسترسل بعض الشيء، لفضح المكون والتنفيس عن خبايا ورواسب من الأوجاع الدفينة ، مفصحا عن طاقة روحية رهيبة ،في غياب الحنكة والدراية والتمكن اللغوي ، يستحيل نقلها إلى كائنات ورقية تشغر حيزا أضيق مما يمكن تخيله.
إنه نصّ ذهني بامتياز يخاطب كل جارحة على حدة حسب ما يمليه التنقّل الفنتازي عبر عوالم متنوعة تستمد ألوانها من قاموس أصيل يسهّل تقنيات رسم المشاهد ويعبّد الطرق أمام سفر الرؤيا ،حدّ ملامسة ذروة التناغم بين الفكرة المولّدة وقالبها الشعري الذي يمنحها الصورة المقبولة والتي لها وظيفتها الحيوية في تغذية بل شحذ وصقل الذائقة لدى المتلقي.

صمتٌ ممضٌ
تكسّرَ في التِماعات الذّهولِ
ينحلُّ فى الشّفقِ الذّائبِ

هناك مراوحة بين عوالم عدّة لإشباع الجوارح قاطبة، تتداخل عند نقط معينة،ثم تفترق في تمرّد على ما يصطلح عليه بــالنسيج العام للنص، من حيث عدم الاعتراف بتقاليد وقيود قد تحدّ نوعا ما،من مغامرات المخيال وإعماله في تعرية الواقع ،مع الحفاظ على مسافة تتسارع وتتنامى عموديا وأفقيا ،لتحول دون الوقوع في مخالب الأسلوبية التقريرية والمباشرة المنفّرة والمملة.
فنعتُ الصمت بـــ «المضاضة» عالم الارتباط بالذوق ،ثم الولوج إلى عالم سمعي( صمت ممض/تكسر…) مذيّل بآخر صوريّ ( ينحلّ في الشفق الذائب ) أضفى نكهة تعبيرية تضعنا إزاء بوح الريشة ونغم اللون ،ومن ثم دغدغتنا واستفزاز أسئلة وجودية يعلوها بعض غبار الذاكرة لدينا،المتناسية ، بحجة تنويم الآلام الخاصة ،والمحرّضة عبر الاكتفاء بحلول ترقيعية ، على القفز فوق جرح اللحظة ومعاناتها.
(الشفق الذائب) يا لها من لوحة ولا أشهى ، تفتح أذهاننا قبل أعيننا ،على عنصر الماء وأسئلته الأزلية …>

ضَجَّةً خَرْسَاء
وفُسْحَةً مِنَ الوَهْمِ الطّريِّ
يُغَشّيهَا شراعٌ يَرْفلُ
يُعَرّي وجعَ الجداولِ المرهقةِ

مفارقة لطيفة تمنحنا انطباع تمادي الصمت في تسيّده الموقف وهيمنته نسبيا ،في محاولة لتقريبنا من معرفة مدى وحجم الضغط الناجم عن منسوب كبت يتفاقم ،منقّبا عن منافذ لتفلّته وتسرّبه عبر الكلمات كأنسب حلة لميلاده وتحقق زمن قدومه . الكلمات بتصنيفها هنا، في خانة الأوهام الطرية التي لا تتحمل المكوث طويلا في ظلمة الرحم، تعشّقا للنور وإنشادا له.
فخلف العملية ككل، إماطة الأقنعة عن التابوهات المضللة،والمعطلة لتفعيل حداثي يفجر سيناريوهات استنطاق الماء.
الماء الحياة في أسمى معانيها. تصحيح العلاقة بالذات فالآخر فالمحيط. عيش طقوس تصالح حقيقي وممنهج، مع باقي المكونات.

جَمْرةَ رؤْيَا من خُيولِ السّوادِ
ووريقةَ حسَرات كسيرةٍ
ترْجِفُ فِي رَغْوةِ الغَصّاتِ

ضمن عالم حسيّ ترصّعه رؤى وفروسية شاهد على عصر متخبط في أسباب التوجع والسوداوية وقتامة المشاهد وخريفيتها، يستأنف صاحب النص حراكه الذهني،متقمصا أدوار مسائل الماء المنتهي إلى رغوة وفقاعات للتدليل على أقاصي مواطن الوجع ،وكناية عن استغراق اللاوعي التزاما بإيقاع توبيخ العالم المريض والمجافي لكل صنوف تبنّي ما يؤهّل للاحتفاء بالماء/الحياة.

لحظة سعار يغيم
من غبارِ الوقتِ
تقايضُ ضجرَ التّجاعيدِ

(يغيم) وكأننا بصدد لازمة ضمنية تتلبّس منعطفات جسد النص، تتمظهر مغيرة أثوابها للضرورة لا من باب التّرف والهذيان السلبي ، كي تعود بنا مجددا إلى أسئلة الماء.
فطغيان طابع الشخصية التجارية المقايضة في الأمور سائرها تقريبا،بما في ذلك أحاسيس الناس ومشاعرهم،
قد اقتضى التلميح إلى ظاهرة الشيخوخة التي تنمّ عن عجز مطبق وخور يعرقل الثورة على مثالب الراهن، شيخوخة مخيمة إيذانا بموت وشيك وقيامة تبتلع الكرة الأرضية بمن وبما عليها من غير رحمة أو شفقة.
وتغريبةَ وجعٍ
فاضَتْ بها
غفلةٌ تزهرُ
حينَ التقاء
سكبتْ روحَ الطّينِ

(فاضت) و(سكبت) دائما ثمة في صلب السياق من الحمولة الرمزية ما يشدّنا إلى الفكرة الأم المتفرّعة عنها المضامين الأخرى للنص.
هنا يبدو جليا ،تجسيد الألفاظ لدرجة اقترانها بمنظومة إسقاطات لا تصحّ إلا في الحالات البشرية عموما ( و تغريبة وجع) ففي هذه الصناعة الكلامية ضربا من الجرأة والسّبق إلى قلب الموازين واختراق المألوف والانزياح الحداثي المواكب لإفرازات الطوارئ التي يفرضها التجدّد المستمر لروح العصر.
إن إلصاق شيمة آدمية بإحساس/حالة وجدانية دالة على الضّعف والقصور (وجع) كنتيجة لغفلة يتمّ إهمالها لتزهر مكتسحة مساحة هامة من أعمارنا،قدر الإمكان،وذلك بالتزامن مع الجنوح إلى سلوكيات آلية وميكانيكية في معالجة الأمور الحياتية،وتحاشي الأدوار الطلائعية للوازع الإنساني في البناء المنطقي للعلاقات والوشائج خارج حدود الأغراض الشخصية الضيقة ،وهنا تكمن الطامّة والرّعونة وما إلى ذلك من إملاءات المادية المهدّمة والمتوحّشة.

لوعةً تهاجرُ
ونوارسَ شهوةٍ
تشربُ طقوسَ السّرَاب
تُطفيءُ صحوَ الضّجيجِ
في عروقِ لَعْنةٍ حَبلتْ

لفظة «شهوة» النارية هنا وكذلك « حبلت» للإشارة إلى ترك نهاية النص مفتوحة ، مع تضمنها للدلالات المتلاعبة بنفسية المتلقي عبر تعليق وعيه بالمفهوم المستنبط من العنونة والمرتبط كما سلف وذكرت،بالماء وأسئلته الفلسفية العميقة.
ومن ضمن إيحاءات هذه الوحدة الأخيرة كخاتمة للقصيدة، تقريبنا من مفاهيم الماء الآخر والذي هو أحد أسرار الحياة،والعنصر الأساسي الوازن في معادلات التجارب العاطفية و الحيلولة دون انقراض النوع البشري.

* كاتب مغربي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة