14 تموز وأضابير التسطيح

تمر هذه الأيام الذكرى 58 لزوال النظام الملكي وولادة ما عرف بـ (الجمهورية الاولى)، ذلك الحدث التاريخي الذي وضع العراق الجديد أمام مفترق طرق وخيارات عديدة. لحظة تاريخية لم تحظ بما تستحقه من جهد ومواقف مسؤولة وواعية لمغزاها العميق وما تمور به من تشابك للمصالح والتطلعات المتعددة والمتنافرة احياناً. محطة تاريخية كشف فيها المجتمع عن نوع القوى والمشاريع والامكانات التي اختزنها جوفه طوال عقود من الصراع والتجاذبات، كل ذلك التنوع والغنى والذي كشفت عنه لا سنوات عمر تلك التجربة القصيرة (1958- 1963) وحسب بل عقود ما بعد اغتيالها؛ ظل منسيا ومسكوتا عنه، بوصفه جزء من الموروثات المغضوب عليها وفقاً لتقاليد وثوابت هذه الامة التي ادهشت العالم مؤخراً بابتكاراتها الدموية والاجرامية. قد يجد البعض مثل هذا الرأي بعيد عن حقيقة ما جرى، خاصة مع ذلك الكم الهائل من الكتابات و “الدراسات والبحوث” التي تناولت ذلك الحدث المفصلي في تاريخ العراق الحديث. لكن مع التصفح السريع لكل ذلك، نجد ان قسمه الاعظم قد تم تدوينه من قبل اقلام سخرت كل مواهبها لفتل عنق ذلك الحدث وتداعياته الى معلف من شرع الابواب لاستباحة حقوق سكان هذا الوطن في العيش بحرية وكرامة. كما ان القسم الآخر من الكتابات لم ينج من لعنة ردود الافعال المسكونة بالتبجيل والتقديس والتعبئة الآيديولوجية، والتي تسهم بدورها في تغييب العبر والدروس والمعلومة الحقيقية والثراء الذي تختزنه مثل تلك المحطات التاريخية في حياة الشعوب والامم.
ما يحدث مع مثل هذه المحطة المفصلية (14 تموز 1958) من جحود وتزييف ونسيان، لا ينفصل عن تقاليد رسختها قرون من الاغتراب عن قيم الحرية والشجاعة في مضاربنا المنحوسة بالهيمنة المطلقة لشرائع العبودية والقهر والاستبداد. ما جرى لا يمكن اختزاله بتعريفي (الثورة أو الانقلاب) أو غير ذلك من المساطر الجاهزة، والتي ادمن على اعادة انتاجها سدنة التشرذم العقائدي الى يومنا هذا. غير القليل من “افندية” المشهد الراهن، يشطبون على ذلك الحدث بفذلكاتهم الاستعراضية؛ بوصفه عملا اخرقا قطع الطريق أمام التطور الطبيعي لمشروع الدولة الحديثة، والذي مثله النظام الملكي. منتشلين ما يحتاجونه من ادلة ومعطيات من مراحل ما بعد زوال الملكية وما حل بالعراق من بعدها..؟! من دون الالتفات الى كل ما حدث من تفاصيل وزحزحات هائلة اشتبكت فيها بعنف المصالح الوطنية والاقليمية والدولية، وفي زمن احتدام ما يعرف بالحرب الباردة بين معسكري الشرق والغرب. ان تتعرض تجربة الجمهورية الاولى والتي لم تستمر لاكثر من اربعة اعوام ونصف لسيل من المؤامرات والانقلابات والاغتيالات والتحالفات لم تعرفها التجارب السياسية لا في العراق ولا غيره من بلدان المنطقة؛ لهو أمر يحتاج الى غير هذه الكبسولات من الاجابات والفزعات الفاشوشية. ان التعرف على حقيقة ما جرى مع مشروع الجمهورية الاولى يمكنه ان يقلص كثيرا من عتمة واقعنا الحالي، بمقدوره تقديم العون لنا لفك الاشتباك والالتباس بين الضحية والجلاد، ووضع حد لقاطرة الجريمة التي ازدادت عنفا وهمجية مع مثل هذا الفولكلور الذي يحتفي بالقتلة والمجرمين..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة