الأخبار العاجلة

الفضلات الثقافية

سلام مكي
هذا المصطلح ورد في كتاب د. عبد الجبار الرفاعي (الدين والظمأ الانطولجي) في حديثه عن المفكر الايراني علي شريعتي الذي انتقد الرفاعي بدوره تنامي حضور شريعتي في الثقافة العربية من خلال اعادة طباعة كتبه وترجمتها للعربية ودراستها وتوزيعها بشكل لافت، في حين انه اضحى جزءا من التاريخ في بلده الاصلي، واعتبرت افكاره قديمة لا تتناسب مع الحاضر. فعلق الرفاعي قائلا: اننا في العربية مسكونون بمضغ الكتابات التعبوية التحريضية ومغرمون بما يغذي غضب الشباب بالفضلات الثقافية. اما في الثقافة العراقية، فالفضلات الثقافية تشغل حيزا كبيرا فيها، خصوصا هذه الأيام، خصوصا الكتابات التي مضت على صدورها عقود طويلة وانتهت حياتها الثقافية بعد اشهر من صدورها، نراها تطبع مرة اخرى.
احد الكتاب اشتكى من عدم الاهتمام بكتاب له صدر في السبعينات. وبعد شهر اعاد طبع الكتاب عسى ان يجد الاهتمام الذي لم يجده في السبعينات! مشكلة هذا الكاتب انه لم يدرك ان موضوع كتابه اصبح من الماضي وانه فضلات ثقافية لا تصلح للوقت الحاضر، وعليه ان يؤمن بأنها اصبحت جزءا من ماضيه. ومن خلال اطلاعي على طبيعة العلاقة بين هذا الكاتب ودار النشر، اتصور ان الناشر هو من تكفل بطباعة الكتاب وعلى نفقته الخاصة، مراهنا بذلك على اسم الكاتب فقط وليس على مضمون الكتاب! للأسف، ثمة فضلات ثقافية تسيطر على المشد الثقافي العراقي، متعكزة على اسمائها فقط، دون وجود اي منجز يذكر في الوقت الحاضر، وبعض الصحف بدورها تجتر تلك الفضلات، فتترك الاصل والواقع الجديد والاسماء الجديدة التي يمكنها ان تكون بديلا عن فضلات الثقافة، وتلتفت الى الماضي. ومثل شريعتي في ايران، ثمة علي الوردي في العراق، عالم الاجتماع الذي تتحدث كتبه عن حقبة زمنية عاشها العراق، نجد اليوم اغلب المكتبات تتزين بكتبه المطبوعة في ارقى دور النشر لازالت هي التي تتصدر مبيعات الكتب. ولا نتصور متى يصبح فكر علي الوردي من التاريخ ويوضع بدلا من المكتبات في المتحف الثقافي. خصوصا وان مكانه لازال شاغرا، ينتظر مثقفا بحجم الوردي ليشغله. للأسف، نحن لم نملك فضلات ثقافية بعد، اذ ان فكر الرصافي لازال رائجا والوردي لم يكتشف بعد والزهاوي بل ان بعض المكتبات تروج لكتابات الطهطاوي والكواكبي ودور النشر تعيد طباعتها، في حين انها كتبت قبل عشرات السنين، اكثرها لا يصلح للواقع العراقي الحالي. ولا نعلم متى نتجاوز هذه المرحلة، فنفهم كتابات السابقين وندرسها، ثم ندرس كتبا تتناول الواقع الحالي بدلا من واقع الخمسينات والستينات.
متى يتقاعد بعض الكتاب، او يدركوا انهم نضبوا وان طاقتهم قبل ثلاثين عاما تختلف عن طاقتهم اليوم. ومتى يدرك القائمون على بعض الصحف العراقية ان الاسماء الثقافية التي يمنحوها مساحات شاسعة لم تعد تثمر سوى كلام يراد به ملئ الفراغات لا اكثر. متى نكف عن تناول فضلات الآخرين الثقافية ك علي شريعتي وغيره؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة