تفجير الكرادة.. إنها الواحدة جحيماً بتوقيت بغداد

حضر الحزن وغابت ملامح العيد
بغداد ـ أحمد سامي:
إنها الواحدة صباحاً بتوقيت بغداد, شوراع الكرّادة تزدانُ بضياء مُشع، والناس يملؤنها لأول مرّة في هذا التوقيت بعد أعوام من منع التجوّل جرّاء عمليات العنف التي عصفت بالمدينة الحزينة.
أراد البغداديون العودة إلى ماضي بغداد الجميل، على اعتبار أن حاضرها مؤلم ومستقبلها مجهول بسبب ما يجري في الساحتين الأمنية والسياسية من صراعات واحتدامات ليس من ضحية جرّاءها سوى المواطن البسيط.
الشباب والشابات والعائلات حضّروا للعيد ابتداءً من فجر الأحد، فامتلأت المحال بالمتبضعين، لكن العيدُ أبى أن يحلّ هذه المرّة.. إنها الواحدة جحيماً بتوقيت بغداد..!
في هذه الساعة، تسلل الموت إلى الكرّادة بسيّارة ملغمّة رُكنت قرب مجمع «هادي سنتر» الذي يلوذ شباب بغداد هرباً من الروتين واستعادةً للحظات ملؤها الحياة.. والابتسامة.. لا أكثر.
في الساعة الواحدة صباحاً.. انفجرت المفخخة وظلت اعمدة الدخان تتصاعد من الأبنية التجارية على جانبي الطريق.. يقول أغلب من استطاع الوصول الى موقع الانفجار: «لم نر قبل ذلك، مثل هذا الجحيم!».
ومضة.. تلاها الصوت ثم تطايرت الشظايا وقطع الحديد والنار, لتسقط الجثث كما لو انه قد نفخ في الصور الذي تحكي عنه قصص يوم القيامة, هكذا كانت اللحظة في التفجير, أو في الأقل هكذا شعر القريبون منه, قبل ان تفصل ثواني معدودة بين الوعي بما حدث والتحرك نحو فعلٍ ما, قد ينقذ أحداً في المدى الذي أحرقه التفجير.
أكثر من سبعة مباني احترقت بمن فيها، من اشخاص واثاث وسلع مختلفة. الاحصاءات الرسمية أمدت أن ما يقرب من 300 شخص سقطوا بين قتيل وجريح، وان نحو 70 جثة متفحمة لم يتم التعرف على هويات اصحابها حتى الآن.
وقد أرسلت الجثث المتفحمة الى مختبرات الطب العدلي لإجراء فحوصات الـ (DNA) للتعرف على ذويهم.
شهود عيان ذكروا قصة شاب فقد زوجته واطفاله الثلاثة من دون ان يتمكن من العثور على جثثهم برغم مراجعته أغلب المستشفيات التي استقبلت ضحايا الانفجار.. شهود العيان يقولون، انهم شاهدوا الشاب مذهولاً في موقع الانفجار على امل العثور ولو على اثر من بقايا اسرته! وكذلك شاهدوا عشرات النساء والرجال وهم يبحثون عن ابنائهم وسط الركام من دون جدوى. فقدت احدى الاسر 7 من ابنائها، واخرى 5 ابناء.
لاعب المنتخب الوطني السابق غانم عريبي فقد نجله ذو الفقار غانم في الحادث. الفنان والممثل ثامر الشطري اصيب اصابات بليغة ونقل الى المستشفى.. المطرب جمعة العربي اعلن وفاة اثنتين من بنات شقيقه.
حي الكرادة، هو الحي الاكثر مدنية بين احياء العاصمة بغداد، لذلك يتوجه الى اسواقه العامرة آلاف المواطنين يومياً من شتى انحاء العاصمة، وقد تعرض الى عشرات الهجمات الارهابية برغم التنوع الاثني والطائفي الذي يتمتع به.
مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة ضجّت بحادث التفجير وامتلأت بعشرات الصور لشباب قضوا في الانفجار، ووضع نشطاء هاشتاغ (# كاشف- الزاهي)، في اشارة الى جهاز كشف المتفجرات المعروف بالـ (ADE)، الذي اتى على خلفية صفقة فاسدة عقدتها وزارة الداخلية مع تاجر بريطاني بحدود عام 2007، ولم تثبت اي فاعلية في كشف السيارات المفخخة، ونجحت فقط في كشف مساحيق الغسيل «الزاهي» الذي يشير اليه الهاشتاغ.
يقول اسماعيل سلام، وهو شاب من سكنة الكرادة ومتبرع باستخراج الجثث: «أخرجت ثلاث جثث فقط.. لم أتحمل المزيد من هذه المشاهد المؤلمة».
ويضيف: «لم ترسل الدولة احداً.. نحن متبرعون عددنا 20 شاباً نعمل جاهدين وبأبسط الأمكانيات، ولم ندع احداً غيرنا يدخل إلا اذا كان معروفاً لأهل المنطقة».
ويتابع: لم أرَ غير النار المهولة لكني سمعت اطلاق النار..! سيارات الإطفاء وصلت بعد 35 دقيقة من التفجير.. المنظر لا يمكن تصويره وتجسيده بالكلام..!».
شهود عيان آخرون لمحّوا لوجود سرّ وراء ما جرى، مؤكدين إن الايام المقبلة ستفصح عن الكثير من الاسرار.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة