في قطّاع غزّة.. مناخات معادية للفن

عدنان محمود
يقول الفيلسوف و الصحفي الفرنسي البير كامو «لدى الفن عدو وحيد ، هو الجهل» …
الفنون في قطاع غزة، تلك الظاهرة الجميلة اللانهائية الإبداع، المطموسة بأفكار المجتمع الرجعية عن الفن من جهة، و تحريم بعض أنواعه و جعله تحت بند «المكروه» دينياً من جهة مثل النحت و الرقص التعبيري و الباليه، و إنتشار الجهل بين أوساط المجتمع بكل طبقاته و خاصةً الجيل الشاب، و الذي بات لا يعير أدنى إهتمام بالفنون الراقية كالرسم و النحت و الطرب الأصيل و الموسيقى الكلاسيكية، و تحول إهتماماته نحو مواقع التواصل الإجتماعي و ابتعادهم عن متابعة الفن و الثقافة .
فالمجتمع بكل أسف قد إكتسب إنطباعاً خاطئاً عن الفنون، حيث يعتقد الكثير من الأهالي و الطلاب أن دراسة الفنون بأشكالها، هي حكر على قليلي التحصيل في الثانوية العامة، و هي آخر كلية يمكن للطالب الإلتحاق فيها مقللين من شأن الفنون و الفنانين بشكل صارخ و قبيح و يوم عن قلة وعي واضحة، في حين أن الإلتحاق بكلية الفنون في الجامعات الأوروبية و خاصة الفرنسية و الروسية منها ، يكون صعباً جداً حيث لا تستقبل تلك الكليات سوى الموهوبين فقط من الطلاب.
و عن واقع قطاع غزة إن أول كلية مختصة بالفنون الجميلة و تدريسها و العناية بالفنون و الموهوبين في كانت «كلية جامعة الأقصى للفنون الجميلة» سنة ٢٠٠٣م، و تم ضمها سنة ٢٠٠٤ م تحت مسمى كلية الإعلام، و كان عدد المنتسبين قليلاً بل لا يلاحظ بالنسبة لباقي التخصصات ، و حتى يومنا هذا ، فنجد أن طلبة تخصص الفنون الجميلة لا يتعدى ال ٥٠ طالب و طالبة سنوياً في جامعة مثل جامعة الأقصى التي يصل عدد طلابها نحو ٢٧ ألف طالب و طالبة .
و لكن رغم تلك المعوقات المعادية للفن و التي لا تتيح حتى البيئة ولا حتى المناخ المناسبين لتكون حركة فنية فريدة و صاعدة، نجد أن بريق أمل و ثورة فنية صارخة ضد هذه المعتقدات البالية في قطاع غزة، بواسطة العديد من الفنانين الكبار و الشباب .
الفنان القدير و الرائع، الدكتور ماهر ناجي، ذو الإثنين و خمسين عاماً، و الذي ولد و ترعرع في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة سنة ١٩٦٣م، و الذي إلتحق بكلية البارون ستيغليتز للفنون الجميلة في مدينة سان بطرسبورغ الروسية عام ١٩٨٢م ، حيث حصل على درجتي الماجستير و الدكتوراه في الفنون و العمارة، و كان أول معرض فني للوحاته عام ١٩٨٨م، و شارك بعدها في العديد من المعارض الفنية المحلية بعد عودته برفقة زوجته الفنانة الروسية المبدعة إيرينا ناجي بقطاع غزة سنة ١٩٩٤ م .
لوحات الفنان ماهر ناجي و زوجته الفنانة إيرينا ناجي، و أعمالهما الفنية، هي تجسيد واقعي و حقيقي لمقولة الفيلسوف و الناقد الفني الألماني هربرت ماركوس «الثورة الجمالية الدائمة هي وظيفة الفن» .
حيث حين تلقي نظرة على تلك اللوحات الرائعة و المعبرة، مهما كنت متكلماً و ذو لسانٍ حاد، ستنقطع أنفاسك و قد لا تستطيع إيفاء تلك اللوحات حقها الجمالي من وصف، فهي من من الناحية الفنية مليئة بالحركة و الجمال و الأفكار التي تحتاج أن يقوم المشاهد بتحليلها، و من جهة أخرى و منظور وطني ، نجد أن تاثير القضية الفلسطينية ، واضح جداً ، و ملفت لدرجة الفتنة الفنية في أعمال الفنان ماهر، و هذا قد يعتبره البعض شيئاً طبيعياً، كونه فلسطينياً عايش نكسة ١٩٦٧ م، و حمل هم قضيته ووطنه منذ نعومة أظفاره ك جميع أبناء شعبنا الفلسطيني، و لكن الملفت هنا هو التأثير الواضح جداً و الذي ممكن أن نعتبره ظاهرة تجلي و إنغماس فني و إلتقاء بين الفكر القروي و القضية الفلسطينية مع أفكار و لوحات الفنانة الروسية إيرينا، و التي لا تقل عن زوجها في مقدار الفنية و الدقة و الإبداع في أعمالها، و التي سأتناول بعضها في هذه المقالة في نهايتها .
حيث أن الفنان ماهر و الفنانة إيرينا، هما ظاهرة فريدة و مميزة تعكس إتحاد فكرين و شخصين مبدعين مختلفين كلياً جمعهما الحب و الفن منذ كانا زميلين في كلية الفن، يجب الإعجاب و تدوين و الإهتمام بأعمالهما الفنية و الإستمتاع بما يقدماه من فن عريق و متأصل الجمال و البعيد كل البعد عن النمطية و التكرار كما حال الكثيرين ممن يعملون في مجال الفن .
للأسف، فالفن و الذي يطمسه المجتمع مدعوماً بالإعلام، و الذي يهضم حقوق الفنانين المبدعين بقطاع غزة،
فالفنانين المبدعين الذين في أغلب حياتهم يبقون بعيدين عن الأضواء، لإنشغالهم الدائم و عملهم الدؤوب لإنتاج المزيد من الأعمال الفنية، المنطويين على ذاتهم لإستنباط أفكار إبداعية جديدة، ليخرجوها للنور بعد أن يرسموها على ورق و قماش بألوانٍ يشتقونها من روحهم النقية، بريشةٍ تعتبر الإمتداد الواقعي الملموس لأفكارهم كي يطبقوا بها جمال أرواحهم و يبهروننا بها في كل مرة ينتجون بها شيئاً جديداً .
و في الختام، إن مسؤولية تغيير التفكير الرجعي النمطي عن الفن و الفنانين، يقع على عاتق مدرسي التربية الفنية في المدارس حيث يكونون أول من يعرف الأطفال على الفن ، و كذلك على وزارة التربية الفنية و قسم الإشراف و إنتاج المنهاج الفلسطيني، و الذي لا يعطي التربية الفنية أدنى حق أكاديمي تدريسي تربوي، و يقع اللوم أيضاً على تلك المؤسسات التي تهتم بالثقافة و الفنون و التي إنتشرت في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ في قطاع غزة.
علينا أن نغير نظرتنا للفن، فبدون الفن ستكون حياتنا مملة، منوطة بالتكرار و الروتين القاتل، و سنكون حبيسي الإزدواجية اللونية المعيارية بين اللونين «الأبيض و الأسود»، لا نلتحق بركب الإنسانية و الثقافة العالمية التي إرتقت و كانت تنمو منذ عقود، بتناغم رائع ك سيمفونية لشوبان، بين العلم و الفن و الحضارة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة