الأخبار العاجلة

زراعة طيور الحب

كنت بعمر الخيام حين كتب قصيدته الاولى لا اجيد التفريق بين لغة الامل من لهجة اليأس إلا عندما سقطت بمرض السل بعدوى من صديقي (عباس الفوتوغرافي). جاء عباس بقفص فيه زوج من طيور الكناري وقال لي: لا أحد غيرك يعتني بهذه الطيور. ودعني وذهب ليرقد في مستشفى (التويثة) في مدينة جسر ديالى. وقتها كنت اعمل في محطة كهرباء جنوب بغداد حين دخلت البيت ووجدت ان طيور الحب ميتة. لقد نسوا أدخال القفص الى الغرفة فقتلهما شمس بغداد الحارقة التي لا تفرق بين طفل وعجوز، شمسنا مرضعة الطغاة من كلكامش مرورا بالحجاج الى صدام آخر عنقود القتلة الذي جعل مقابرنا الجماعية أكثر من الكمأ والفطر، ولا نزال حتى هذه اللحظة نكتشف يوميا مقابر جديدة ثم غزونا الارهابين فأكملوا مشروع زراعة وانتاج المقابر الجماعية. دفنت جثتا طيورالحب في حديقتنا الخارجية وانا أبكي تحت ضغط هاجس غاشم يوسوس لي( ان صديقك عباس مات بموت الطيور). فورا ذهبت الى مستشفى التويثة وكانت مفاجأة حين وجدته بصحة ممتازة وهو على وشك الخروج من المستشفى لكن المفارقة الصفراء ان المرض انتقل الي. أخذت (أشعة) في مستشفى(الجوادر) وقالوا: انت مصاب بمرض السل.
ثغبت أمي وانقلب جو البيت الى مأتم كأنني مت وها هم أهلي يبكون علي فأنخرطت أنا الآخر أبكي على نفسي. هنا تذكرت عدد المرضى الذي ماتوا بسبب فقدان الامل والافراط في نعي الذات والبكاء على فقدان الروح داخل فجيعة الموت القادم، حيث يتعانق هنا الشخص مع مرضه ضد نفسه .
من حسن الحظ صادفت طبيبا مثقفا زرع في صدري الامل والمرح قائلا: بعون الله سوف تشفى خلال شهر. لعبت جملة الطبيب هذه دورا فعالا في صراعي مع المرض، وتخيلت ان طيور الحب لم تمت وهي الان تلعب وتمرح في قفصي الصدري ترفرف وتغط في موجة قبلات طويلة إحتفاءا بالحياة. هنا أكتشفت قارة الحب ناسيا ابن بطوطة وكرستوف كولمبس وماجلان وناصر خسرو أثناء تجوالي محلقا بشوارع بغداد مثل من يراها لأول مرة. تطل من حواسي ومن ملابسي غيوم ضحك صاخب وعميق انبثق من طاقة الحب مازجا غاندي وشاري شابلن في شخصيتي. ان جناح الامل هو من قادني الى قارة الحب. وها أنا بدأت الحرب على جيوش الكذب التي تدعي: ان احتقار النفس والتضحية بها هو الخلاص وهو السعادة السرمدية (الانتحار هو الحب). ولكن من يحتقر ذاته كيف يقدر ان يحب الله وكيف يستطيع محبة الاخرين. يبدأ الحب في التملص من سجون الواقع البشعة: سجن هموم العيش ومحنة تدبير لقمة الغد. سجن السياسة ومشتقاتها. سجن الاعلام المنافق الكذاب والتلفزيون والاعلانات. سجن الازدحامات والضوضاء واللهاث وراء آخر الصرعات والموديلات.
بعد الخروج من سجن اللحظة ( الهنا والان) بدأت بتنظيف شوارع عقلي وساحاته العامة والمنزوية بل وتنظيف الكواليس أيضا. حملة تنظيف واسعة من أوساخ الكره والحقد ومن كل مخلفات إيذاء الاخر. ثم أبدأ بلم شمل نفسي المبعثرين خارج مملكة الجسد. بعدها أوقظ حواسي المغمى عليها والمخدرة بحشيشة الواقع. ثم أعتذر لنفسي عن الاهمال وطول فترة النسيان. أذكرها بلعب الطفولة، ومن هنا يأخذ الحب طريقه لملاقاة الحرية تاركا خلفه كل قشور السجون.
فعلا خلال شهر انقشع السل وحطت طيور الله تبني عش الامل لأني صادفت وحظيت بطبيب مثقف. كل بلد يخلو من مثقفين تحترق قلوبهم على وطنهم وعلى العالم وعلى الطبيعة والكون، هو بلد مصاب بمرض السل وهو بطريقه الى الجحيم.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة