التقنية الروائيّة في الرواية العربية.. ومعيار التفوّق

د. محمد عبدالله القواسمة
لا شكّ في أنّ التقنية بوصفها مجموعة الطرائق والوسائل والأساليب التي يستخدمها الروائي في صياغة عالمه التخييلي، قد رافقت الرواية منذ نشأتها في القرن السادس عشر ــ كما يقال ــ بظهور رواية دون كيشوت لميغل دي سرفانتس، أو في القرن الثامن عشر بظهور رواية روبنسون كروزو لدانيال دبفو. واختلفت التقنية وتنوّعت منذ ذلك العهد، وسنظلّ نلمس هذا التنوّع والاختلاف ما دمنا نكتب روايات.
في العصر الحديث، عصر التطور الهائل في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات شهدت التقنيات الروائيّة تنوّعًا وتعقيدًا، وألقى هذا التطور على الرواية بثقله عندما راح الروائيون يستفيدون من تقنيات الفنون والأجناس الكتابية المختلفة كالشعر، والموسيقى، والمسرح، والسينما، والفن التشكيلي، وفن الجرافيك وغيرها، فظهر في كثير من الروايات تقنيات الكولاج، والمونتاج، والمشهد، والاسترجاع، والحذف وغيرها حتى وصلنا إلى الرواية التي تعتمد في صنع عالمها على تكنولوجيا الحاسوب والانترنت.
هذا الاهتمام الزائد بالتقنيات الروائيّة عند الروائيين يطرح عدة أسئلة تتصل بالفن الروائيّ وبمن له علاقة به: الناقد والمتلقي. والأسئلة هي: ما الذي تستفيده الرواية من هذه التقنيات المتعددة؟ وكيف يستجيب القارئ للروايات الي تعتمد في بنائها على تنوّع تقنياتها وتعقيدها؟ وهل يدل كثرة استخدامها على تفوّق الرواية؟ أو بعبارة أخرى هل مقياس الرواية لناجحة يعتمد على ما تستخدمه من تقنيات؟
أفادت الرواية كثيراً من استخدام التقنيات المختلفة، فساعد ذلك على دخول الرواية عدة فنون؛ فنلمح على سبيل المثال استخدام مسرحية كاملة في رواية شرف لصنع الله إبراهيم، والإفادة من الفن التشكيلي في تقديم كثير من المشاهد الوصفيّة في روايات غالب هلسا وبخاصة ثلاثة وجوه لبغداد والبكاء على الأطلال والإفادة من الفن الموسيقي كما في رواية مصائر كونشرتو الهولوكوست والنكبة لربعي المدهون.
لقد ظهرت الرواية من خلال تنوّع تقنياتها وبخاصّة تقنية تداخل الأجناس الكتابيّة كأنّها عالم يحتوي عدة عوالم، واستطاعت الكشف عن طبيعة هذا العصر السريعة التغير، والبالغة التعقيد، كما عبّرت عن تشظي الإنسان ووحدته.
وبدا التطرف في استخدام التقنيات نتيجة للتطور الهائل في التكنولوجيا الرقميّة، وظهور الشبكة العنكبوتية. فكانت الرواية الرقميّة آخر صيحة في استخدام التقنيات المعقدة لإخفاء العناصر الروائية بل لضياع الرواية ذاتها بوصفها بالأساس كائنًا لغويًّا.
أمّا النقاد فقد استطاعوا بفضل التقنيات الروائية أن يقسموا الرواية أقساماً تتناسب والتقنيات المستخدمة، والتي فرضت نفسها على الواقع الروائي، فكانت عندهم الرواية الرقميّة ورواية تيار الوعي، ورواية تعدد الأصوات، والرواية القديمة، والحديثة، والجديدة، كما نلحظ هذا عند الدكتور شكري عزيز الماضي في كتابه أنماط الرواية العربية الجديدة.
أما القارئ أو المتلقي فقد استوعبت ذائقته الأدبية الرواية التي تعتمد على قليل من التقنيات الحديثة المستخدمة بمهارة: فتفاعل مع روايات صنع الله ابراهيم، وروايات جمال الغيطاني، والروايات التي أنتجتها جائزة البوكر العربية، مثل: رواية عزازيل ليوسف زيدان، ورواية الطلياني لشكري المبخوت، ولكنه وقف حائرًا منبهراً، ومحاولًا استيعاب الروايات التي أكثرت من استخدام التقنيات؛ فهو كالعادة لا يهتمّ إلا بالنتيجة التي تحدثها التقنية بخلاف الناقد الذي يبتغي معرفة التقنية كأيّ صاحب مهنة ليعرف المشكلات التي صادفت الروائيّ، وكيف تغلب عليها.
ومن هنا نصل إلى الإجابة عن التساؤل الأخير: إن كان بالإمكان أن نجعل من التقنيات معياراً لنجاح الرواية وتميّزها.
لا شك في أن التقنيات لها أهميتها في صناعة الرواية كما عرفنا سابقًا، ولكنها ليست العامل المهمّ في نجاحها وتميزها؛ فما التقنيات غير أدوات لإبراز المكوّنات الروائيّة من حدث، وشخصية، ومكان، وزمان، ووجهة نظر. لهذا فالروائيّ الناجح من يستخدم هذه الأدوات دون أن يحسّ بوجودها القارئ؛ لأنّ إحساسه بوجودها يفسد عليه اللذة في التعايش مع الرواية والتفاعل مع أحداثها، ويذهب عقله إلى الاهتمام بها منعزلة عن بقية العناصر؛ فالتقنية الروائيّة الناجحة هي تلك التي تكون غير مرئيّة، وفعّالة في بناء الرواية؛ ليحسّ القارئ أنه يقرأ رواية تنبض بالحياة.
من هنا فإن كثرة التقنيات وتزاحمها في الرواية يحطّ من شأنها، لما يبدو فيها من وضوح التكلف والصناعة، والبعد عن الصدق والإيهام بالواقع. لهذا كانت نصيحة الناقد برنار دي فوتو في محلها عندما نصح الروائي بعدم الإغراق في استخدام التقنيات؛ إذ إن الاهتمام الزائد بها يشير عادة إلى ضعف الإبداع، كما أنّ الاستهانة بها يدلّ على ضعف الذكاء.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة