الأخبار العاجلة

المجرم بريء بعد اعتقال الضحية

قد يبدو العنوان متناقضا ومشوشا، وهو كذلك بالنسبة لمن ولد وعاش في كنف مجتمعات وتشريعات تنتصر لكرامة الانسان وحقوقه الاساسية، غير انه طبيعي ومنسجم مع مجتمعات وانظمة حكم تشربت ثوابت الظلم وانتهاك حقوق من حاولت الشرائع السماوية والوضعية تكريمه ذات عصر. بعد كل عمل اجرامي وارهابي يرتكب في العاصمة بغداد والمدن العراقية الاخرى، تستنفر العواطف ومشاعر السخط لتصب جام غضبها على هذه الجهة أوتلك، لتقتفي في نهاية المطاف اثر سابقاتها في الانضمام لطابور الطاعة والولاء لثوابتنا الجليلة التي ادمنت مهمة (القاء القبض على الضحية واطلاق سراح الجاني). ما دفعني لكتابة هذا العمود، هو الكلام العفوي الذي صدر عن أحد ابناء مدينة الثورة والذي وصف فيه الشهيد البطل المهداوي بـ (الجزار)، لقد قال ذلك بكل ثقة، من دون ان يكلف نفسه بمعرفة حقيقة وسيرة ذلك المناضل الانسان الذي كرس كل مواهبه واغلى ما يملك من اجل نصرة قضايا شعبه العادلة، وعلى رأسها حقوق الطبقات المحرومة التي ينتمي لها واسرته. ومن الاهمية بمكان الاشارة الى تأسف ذلك الزميل عن موقفه هذا بعد ان تحدثت له عن سيرة ذلك المناضل والمثقف والقانوني والقائد العسكري الفذ.
هذه المفارقة وغيرها الكثير، تشير الى الخلل البنيوي العميق، والى حجم اغتراب الغالبية العظمى من سكان العراق الحاليين، عن الحقائق والمعلومات الواقعية، والتي من دونها لا يمكن ترقب اية تحولات جدية لصالح قضاياهم العادلة. لذا لن نستغرب من قدرة هذه الابواق على فتل عنق كل هذه الاحداث المأساوية والجرائم التي ترتبك على تضاريس وطننا المنكوب؛ الى ذلك المعلف حيث يتسلل المجرم بعيدا ويتم القاء القبض على الضحية. وفي تاريخنا الحديث وقائع لا يتناطح عليها كبشان على مثل هذا الاجترار، ومجرموا اغتيال المشروع الوطني عام 1963 ما زالوا احرارا ويتم الاحتفاء بهم في غالبية المدونات الرسمية والاطاريح الجامعية. ذلك الارث هو من يقف بقوة خلف كل هذه الفزعات الفاشوشية بعد كل جريمة ترتكب، لا أحد يلتفت الى كل هذا الدهاء والمكر الذي ينتشل البعث وداعش وقوى الاجرام الحقيقية، ليكونوا بعيدين عن اعين واهتمام الغاضبين.
في فاجعة الكرادة يوم الأحد 3/7 نالت داعش والقوى الاجرامية التي تقف خلفها من قلب بغداد، بعد هزيمتها المنكرة على جبهات القتال، سقط عدد لا مثيل له من الضحايا بين شهيد وجريح، كل هذا لم يحرك ساكنا لدى القوى السياسية المتناهشة على الوليمة الازلية، وعبر مواقفهم غير المسؤولة والمتهورة، سمحوا للمجرم الازلي بالتسلل بعيدا عن موقع الجريمة، لتتصاعد لغة الاتهامات المتبادلة بينهم لاسقاط بعضهم البعض الآخر، مانحين بذلك معسكر الارهاب والاجرام الوقت والشروط المناسبة لشن حملات جديدة لا تقل وحشية عن سابقاتها.
لا يمكن تفكيك الجريمة، هي كل واحد، وهي ككل الاشياء الاخرى في حالة تحول وصيرورة، ومن دون التعاطي معها بوعي وحزم وتشخيص دقيق لمواقعها واسباب قوتها، لا يمكن الانتصار في الحرب ضدها. الجريمة واعوانها موجودون خلف مختلف الواجهات والعناوين، وهم يلتقون جميعا في معسكر العداء لامن البلد واستقراره وازدهاره اللاحق، بغض النظر عما يدعون ويرفعون من يافطات ديماغوجية وزائقة..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة