الخندقة.. كشراهة

/مسموعات الكواليس السياسية تشير الى محاولات ومساعٍ لمعافاة العلاقات بين الزعامات السياسية، بدخول طرف اقليمي «صديق للجميع» على الخط، هذه المرة، ونُقل عن ممثل هذا الطرف الاقليمي قوله انه لا وجود للعداوة الحقيقية بين الساسة العراقيين، وحين سُئل «اذن ما الذي بينهم؟» قال «خنادق!» وبحسب تلك المنقولات فان «المبادرة» التصالحية بقيت في اطار بوس اللحى ومجاملات الكلام إذْ يحتفظ اصحاب الازمة السياسية بثروة غنية منها.. بكون «ان الجميع اخوان» وإن كانت تفرقهم الخنادق.
/المشكلة ان التخندق في تجربتنا السياسية توصيف مخفف لصراع المصالح الذي يتخذ شكلا طائفياً او قومياً اوفئوياً خادعا، وهو بالمعنى الخلدوني شكل من أشكال النعرة العصبية البدوية الثأرية، وفي المنظور الفرويدوي هو تعبير عن المأزومات الجنسية، وها نحن ندخل منطقة خطرة من «التشخيص» نحتاج فيها، هذه المرة، الى عرض نمّونات من المتعصبين السياسيين (اكرر: نمونات) على الفحص الطبي، وثمة من يشير بهذا الصدد الى ان الشراهة إحدى طباع اسوأ الحشرات.
/ لكن الجديد في هذا الملف القول «ليأخذوا ما شاءوا من الامتيازات والثروات عساهم يشبعوا» ما يعيدنا الى قصة ذلك الشيخ الذي اعياه ضبط تصرفات ولده ابن العاشرة من العمر الذي حيره فرط شراهته وعناده، فاقدم على تزويجه من فتاة تتصف برجاحة العقل، فهدأ الصبي حتى توفي الوالد، فعاد الى افعاله الشنيعة واكثر، فبادر عمه الكبير الذي تكفل ادارة شؤون العائلة الى تزويجه مرة ثانية، فعاد الشاب الى رشده فوراً.. وهكذا تزوج اربع مرات على عدد المرات التي تداهمه الشراهة ويركبه العناد وهوس العراك، قبل ان يتوفى.. ويكتبوا على قبره «كان حشرة».
/المشكلة لا تتوقف عند فقه الخندقة، الذي هو صناعة عنصرية، بل وايضاً في فقهاء الخندقة الذين يتولون تنظيم إدارتها وحراسة شراهتها.. وهؤلاء اخطر من اولئك.
*******************
« من يجعل من نفسه حشرة ليس له أن يتذمر إذا ما داسته قدم».
كانت
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة