مطار أتاتورك يصطبغ بالدماء.. والقتلى والجرحى بالمئات

يوم ليس كبقية الأيام.. «داعش» تفتك بالأبرياء في اسطنبول
مطار اسطنبول ـ اسماعيل زاير:
كان مطار اتاتورك مساء الفاجعة بمنزلة ممثلين وعينات عن امم العالم جميعاً .. كان بمنزلة امم متحدة اخرى . عرب واميركان واوروبيون ويابانيون وافارقة واستراليون وكلهم ينوون العودة الى بيوتهم ومنازلهم في اوطانهم . في لحظات قليلة تغيرت سحنة الناس كلهم وانمحت ملامح الحياة والفضول والعافية من على وجوههم.. الرصاص اعتلى المسرح وبدأ يلعلع وسط موجات من شتى البشر جمعهم مطار كمال اتاتورك ذلك المساء الرهيب ، الذي لن ينساه احد من المسافرين والعاملين ورجال الأمن الأتراك . تلك اللحظات كانت عندما انطلق ازيز الرصاص المتطاير على حين غرة وتسرب صوته الصاخب عبر بوابات فحص الجوازات التي تقسم جسم المطار الى قسمين عملاقين .. الفضول اولاً ولكن الرعب الغاشم القريب الى الشلل اصاب البعض الذين لاذوا بأي شيء وقف امامهم تلك اللحظة . في ما بين الرفوف الممتلئة بالسلع عند معارض السوق الحرة امتد الناس بعد دقيقة من نشوب مواجهة بالرصاص ترافقت مع صراخ المشتبكين من رجال الأمن الأتراك مع عدو لم يتمكن احد من رؤيته .
كانت المواجهة بالنار تقترب وتبتعد كما قدر المسافرون على حسب اسماعهم ، ولكنها في بعض اللحظات بدت قريبة جداً الى مدخل القسم الدولي للمسافرين الى درجة ان صوت الطلقات المجنونة كان يمر من فوق الرؤوس ، رؤوسنا . من لم يصدق من مسافرين مختلطي الأعمار والتجارب ، جدية المخاطر بقي اقرب الى رفوف العرض عند بوابة التفتيش ولكنه بعد زخات الرصاص التالية انهزم موج الهاربين نحو الزاوية البعيدة للمعارض وسط هستيريا نسائية تصم الآذان . في تلك اللحظات كان شعور من عدم اليقين يسود بين الهاربين وبدا انهم لا يعرفون من اين يأتيهم الخطر . رأيت في هذا المشهد المعنى الحقيقي لتهديد الناس العزل من دون تمييز ولا علاقة بالمسألة التي وضعوا فيها . العقل البشري حاول ان يتدبر للفارين مخارج من المحنة ولكن الى أين الذهاب . المسافرون كانوا مثل سجناء في ممرات الإنتظار واروقة المطار ومجمعات التسوق كل يبحث عن مصيره وسط المجهول .
كثافة المواجهة المسلحة تنخفض لترتفع ثانية وتنذر اصوات الرصاص القريبة وعياط رجال الأمن الاتراك انهم في معمعة اشتباك قريب للغاية . لم يلتفت رجال الأمن للمسافرين الا بعد نحو عشرين دقيقة . وكنت ارى من الزاوية التي كنت فيها حركة رجال الأمن حول وخلف كاونترات الفحص لجوازات السفر عندما هز انفجار ضخم مكتوم المنطقة ، وتبعه رصاص كثيف ومواجهة اجبرت المسافرين الى الإلتجاء والتجمع تدريجياً في اقصى يمين المبنى الكبير حيث سقوف واطئة لقاعة كبيرة تحتوي على المطاعم المتخصصة بالأكلات السريعة وشبه الشعبية كالبيتزا والهمبرغر وغيرها . الهلع دفع المسافرين الى تلك المساحة التي يغطيها درج للطبقة العليا التي حاول البعض ، من فرط ذعرهم ، الذهاب اليها ولكنهم عادوا مع جرعات اكثر هولاً من الهلع السابق ، ذلك ان صوت الإنفجار الثاني كان اقرب اليهم في تلك الطبقة العليا. قدرت ان اطلاق النار لا يبعد عني اكثر من 50 متراً ولكن مركز اشتباك واسع كان ابعد من ذلك ، وفي لحظات معينة كانت الطلقات تنعكس من جدران الصالة المركزية التي يجتاز منها المسافر منطقة الانتظار الى الصالة الدولية بعد فحص الجوازات . بعض الرصاصات كانت قريبة جداً من رؤوسنا .
ووسط كل ذلك الذعر زاد رجال الامن الأتراك من محنة المسافرين عندما انطلق بعضهم مخترقاً صفوف المرعوبين راكضين الى ممرات خاصة الى الطابق الثاني وعبر ابواب مقفلة بوجه التجوال العام وهم يصرخون بالناس : اخرجوا من هنا .. اخرجوا من هنا .. اذهبوا الى الخلف . الاستنتاج الوحيد كان ان الشرطة تطارد ارهابيين ربما نجحوا في اختراق اروقة القسم الدولي لأروقة المسافرين الدوليين والتجأوا الى داخل المبنى . الصور اللاحقة التي نشرت اشارت الى واحد من الإرهابيين داخل ممرات الطابق الثاني عندما لحقه شرطي امن ملحاً عليه بالعودة ولكنه عاجله بإطلاق النار عليه واستقل مصعد الرواق .. اظنها تلك اللحظة التي حاول رجال الامن نجدة زميلهم او اسعافه .
الرعب بدأ تلقائياً او عفوياً اول الأمر ومن ثم زادت المخاوف مع استمرار زخات الرصاص والصراخ القريب لرجال الامن الأتراك يريدون اخراج المحجوزين او تحذير من لم يكن يدرك ماالذي يجري .. ولكن مع مرور الزمن تكثفت المخاوف وبحث المسافرون عن نقاط عمياء في اروقة المطار ، تلك النقاط البعيدة عن المخارج والمداخل..
2: بعد التاسعة والنصف مساءً، أي بعد اقل من ساعة على بدء الهجوم الإرهابي ، بدا ان المدد الذي طلبته قوات الامن قد وصل مما سمح بتوفير بعض رجال الامن لتنظيم عملية اخلاء اروقة المطار من المسافرين وضبط الحركة فيها . وهكذا بدأوا بدفعنا الى الوراء اولاً ووضع اشرطة مانعة تقيد حركة الفضوليين وما اكثرهم .
ما زال القلق بادياً على الجميع مع توقف المواجهة .. ولكن القلق كان واضحاً اكثر بين قوات الأمن ومساعديهم اكثر مما كان لدى المسافرين .. عندما كنا نقف امام الشريط انشغل مسافر بقربي بتصوير المشهد عبر هاتفه الامر الذي شجع مراهقين آخرين من بلداننا العربية على الحذو حذوه .. خلال دقائق هجم الشرطة عليهم صارخين : اوقفوا التصوير .. ممنوع التصوير . ولم يكن هذا سهلاً لأن ما يقلق المسؤولين عن الامن هو ضبط الوضع الذي لم يكن مفهوماً بدقة من قبل المسافرين في حين كنت ارى الدموع تنسكب من عيون رجال الامن وكلامهم الينا لم يكن الا صراخاً اقرب للتوسل منه الى النهي الحاسم .
بعد فترة هدوء النيران اتخذت سلطات المطار قراراً بنقلنا الى الأروقة الداخلية الفرعية التي تنتهي عند نحو 600 مترا عن موقع المواجهة في ذراعي حرف تي الانجليزي بأذرع طويلة ويتفرع عنها تشكيل مماثل الى اليمين يوصل الى ممرات ميناء اتاتورك للرحلات المحلية داخل تركيا . المسافة كانت مقسمة على عشرات صالات المغادرة اليسارية منها متوجهة في الغالب الى العواصم الافريقية والأسيوية فيما اليمينية تضم الصالات المغادرة الى اوروبا واميركا وكندا .
في لحظة ما طغت موجة توتر امني كبيرة على وسط الممر العملاق بذراعيه وهجم رجال الشرطة طاردين المسافرين الى عمق ابعد .. شكل الشرطة سلسلة بشرية دفعت المسافرين الى الخلف نحو عشرين متراً .. كان الشرطي يصرخ بشدة وهو يقول ابتعدوا .. ابتعدوا الى الخلف .. الأن لا اريد احداً ليتكلم . بقربي كان زوج من المسافرين البريطانيين علقوا بسبب عدم ادراكهم ما الذي يحدث : الشرطي يخلق مشكلة بصياحه . كان تعليقاً انجليزيا بحتاً ، ولكن طعم التعليق لم يعلق بذهننا اذ انطلق صراخ وعويل من الذراع الأفريقية حيث الشرطة افرغت الذراع من المسافرين وانطلقت موجة من آلاف منهم هلعين الى الجهة اليمنى . وفهم الناس ان بعض القتلة لاذوا بتلك الزاوية . ركضنا ولكن هذه المرة كانت ركضة مضنية طويلة فقدت السيدات فيها احذية كثيرة لم يتمكن من نزعها وبعضهم ترك حقيبته اليدوية او حقائبه الصغيرة الحجم .. اما السيدات الافريقيات فكن بثيابهم الواسعة المزخرفة مشهداً سوريالياً ، اذ يبدو انهن لم يركضن طيلة حياتهن هذه المسافة .. كن كمن يسبحن في الفضاء من دون ان تتحرك اقدامهن الا قليلاً . اجسادهن الممتلئة عند الوسط كانت عائقاً عسير الجر في مثل هذا الوضع .. الشرطة الاتراك اخترقوا صفوف الأفريقيات وانشغلوا بالقسط الاساسي من المسافرين . انتهيت انا الى مسافة بعيدة تطل على بوابة المطار من اعلى حيث شهدنا منظر الجثث والجرحى وهم يوضعون على حمالات سيارات اسعاف بالعشرات في انتظارهم .. بيننا والضحايا الابرياء ربما خمسون متراً ولكننا كمساجين ومطاردين هائمين على وجوهنا انتبهنا الى ان الوضع اخطر مما تصورنا وأن حجم الدمار والضحايا ابلغ مما تخيلنا . معي عند الحاجز الزجاجي كان استاذان من ادنبره يحملان جهاز أي باد ويستمعان الى تقارير عما يجري الأمر شكل صدمة لنا انه عمل اكبر مما حصل في مطار بروكسيل في بلجيكا قبل شهرين تقريباً . في تلك اللحظة عرفنا ان عشرات القتلى استشهدوا في عدد مختلف من المواقع بينها مواقع كانت قريبة جداً من مكان تواجدنا .. افظع اعمال الجريمة هي اختباء الإرهابي الثالث عند بوابة الخروج الكبرى حيت لبد حتى خرجت جموع الهاربين من الموت فوقف بينهم ليفجر نفسه ويقتل او يجرح عشرات الأبرياء بما في ذلك اهالي المسافرين والعرسان والعجزة ..
ولاحقاً تبين من تقارير الدولة التركية ان ثمة اربعة من المسلحين ما زالوا هاربين فيما سلم رابع الإنتحاريين نفسه داخل ابنية المطار ، وهو الذي كانوا يطاردونه . وربما تكون معجزة ان يتوقف الكلاشينكوف عن الرمي ويتعطل .. الشرطة اشارت الى ان الخلية المنظمة للعملية الإجرامية ضمت ثمانية اشخاص ، كما نوهت صحيفة « يني شفق « .
3: بعد انجلاء غبار المعارك والتفجيرات التي نفذها الارهابيون تبين حجم المعركة التي حصلت على ارض المطار .. التحقيقات التركية كشفت جميع اعضاء الخلية وبينهم قائدها ومدبرها الروسي الاصل والحائز على اللجوء السياسي في النمسا ورفضت فينا تسفيره اليها بحجة انه قد ، نعم : قد ، يتعرض للأذى الجسدي اذا جرى تسليمه . وكشفت الوثائق اللاحقة ان الموضوع يتعلق بالمواطن الروسي الشيشاني أحمد رادشابوفيتش حيث كان قد ألقي القبض عليه في ذلك العام عند معبر حدودي بين تركيا وبلغاريا وذلك بناء على طلب روسي، وكان رادشابوفيتش يعتزم مغادرة بلغاريا .وحصلت المخابرات التركية بالتالي على القطع المفتقدة من احجية ارهابيي داعش.
الدواعش المساهمون في المجزرة استأجروا شقة في منطقة « فاتح « وسط حي شعبي ودفعوا اجر ثلاثة اشهر مقدمة . واحد منهم جاء مباشرة من الرقة . وانتقلوا الى المطار بسيارة اجرة ، قال سائقها انهم حملوا حقائب خفيفة على الظهر وارتدوا قبعات سياحية المظهر .
بعد ساعات من الانتظار مختبئين في اقصى نقطة فرعية في المطار جاء نداء الشرطة التركية للمسافرين بالخروج من المطار . كانت الساعة قد بلغت الواحدة والنصف صباحاً عندما توجهت جموع المسافرين الى الممرات النهائية للخروج الى المدينة على عجل . في طريقنا كنا نمر فوق بقايا الدماء النازفة في الممرات وعلى السلالم الألكترونية . الدماء جفت وتحولت الى لون غامق من الأحمر الحائل القريب من البني .. ها هنا وقف جريح هده الجرح وهناك خيط دماء لهارب التجأ الى زاوية منسية .. الزجاج مهشم والشرطة بدأت بوضع الواح حاجزة عند مناطق الانفجار .

“أحد منفذي العمل الإرهابي”
أحد منفذي العمل الإرهابي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة