تهريج شامل

لقد حملت عبارة المفكر السعودي عبدالله القصيمي (العرب ظاهرة صوتية) والتي وضعها عنوانا لكتابه المعروف، وصفاً مكثفاً ودقيقاً لواقع البؤس والعجز المغلف بأسوأ أنواع الغطرسة الخاوية، والذي تعيشه شعوب وقبائل هذه التضاريس المنكوبة من دون خلق الله. لا شيء غير الصخب والضجيج والادعاءات والاستعراضات التي تعيد اجترار المآثر المزعومة للقوافل الغابرة. ما الاسباب والمعايير التي تقف خلف كل هذا النحس العضال والذي حولنا الى ما يشبه الآلة الضخمة لاصدار الضجيج والذي يزداد صخباً عند منعطف الطرق؟
مفتاح كل هذا الانغلاق في الآفاق، سابقا ولاحقا يمكن اقتفاء اثره، في الميدان الاساس لتطور سلالات بني آدم او انحطاطها؛ الا وهو ميدان انتاج الخيرات المادية وطرق وسبل تراكم الثروة. ما خلا محطات سريعة وعابرة عرفتها مجتمعاتنا في العلاقة الايجابية مع هذا الحقل الحيوي، عشنا سباتا طويلا ومريرا من الغربة عن اسلوب الحياة هذا (الانتاج والابداع والابتكار)، تجليات هذا الارث المميت انعكست على تفاصيل حياتنا وبسطت هيمنتها على مفاصلها الحيوية، وعلى رأسها ما يعرف بـ (ثوابت الامة) ورأسمالها الرمزي المرصع بالخطوط الحمر والمحظورات وباقي الترسانة التي لا تطيق اقتراب السؤال والفضول المعرفي من حدودها.
عبدالله القصيمي نفسه كان في بداية حياته سادنا لترسانة الثوابت تلك، لكن قلبه وضميره وعقله الحي، دفعاه بعيداً عنها، لينضم لقافلة الحرية والانوار وسط بيئة هي الاشد عتمة وعزلة، في عالم حولته الثورات العلمية والقيمية الى قرية. البعض من المتسللين لنادي الفكر والثقافة يعيبون على القصيمي ورفاقه؛ بانهم مفتونين وتابعين لقيم الغرب وعلومه، المغايرة لثوابتنا الجليلة، من دون الالتفات لهرولاتهم السريعة للغرب ومراكزه العلمية، عند اي طارئ صحي يتعرضون له؟! حالة الشيزوفرينيا هذه هي التي تقف خلف كل هذه الدقلات التي لا نجيد غيرها عند مفترق الطرق، هي من ترفع منسوب التهريج والصخب والضجيج، البضاعة التي اشتهرنا بها، في عالم اصبح فيه عمر المعلومة اقصر من عمر الفراشة.
ان يتحول الوهم الذي نسجته سرديات دمارنا الشامل ورسخته مسلسلات رمضان التاريخية (الخلافة) الى واقع على ما تبقى من اسلاب بني امية وبني العباس، لهو أمر تعجز عن تخيله أكثر العقول عبثا وتشاؤما، غير ان الجماجم التي ادمنت على عصف مثل هذا العجاج بين جدرانها، والتي استشرف عاقبتها القصيمي قبل أكثر من نصف قرن، بمقدورها انتزاع دهشة واستغراب باقي شعوب وامم الكوكب الازرق بفزعاتها المغتربة عن هموم واهتمامات عصرها. هذه الديناميكية والحيوية في بث الروح بمؤمياءات التاريخ، واعادة انتاج مشاريع الاوهام، تستند الى احتياطات هائلة من الزيف والاكاذيب وباقي العلف اليومي، الذي يحرص اولي الامر على تأمينه لديمومة حياة الظاهرة الصوتية. وسط هذه المناخات من العتمة والتهريج، هناك ومضات ما زالت تسعى للانعتاق منها، غير انها لم تتمكن من حشد القوى والامكانات الكافية للمواجهة مع كل هذا الارث الطويل والراسخ من الوعي الزائف والغطرسة الخاوية، المستند الى بنية تحتية زاخرة بكل ماهو متفق والقوارض التي تفجرت شراهتها مع حقبة النفط والغازوممالكها التي اهدت العالم نسخ من الجنون، تقف اشهر المختبرات المتخصصة بالامراض العقلية عاجزة عن فك طلاسمه المدونة بعجاج الظاهرة الصوتية وتقاليدها العتيدة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة