اختصاص تظاهرات

يزخر عالم اليوم بتنوع هائل للاختصاصات التي تتعاظم بفعل الثورات العلمية والتقنية بشكل لم تعرفه البشرية من قبل. نعمة الاختصاصات هذه تجلت في مضاربنا المنحوسة بشكل آخر لم تعرفه الامم والمجتمعات الاخرى، فبعد ان شهدت تضاريسنا انقراضا واسعا لغير القليل من الاختصاصات والمهن التقليدية، ببركة الاقتصاد الريعي ودولاراته التي كفتنا “ذل” العمل والانتاج والهرولة خلف متطلبات الانتاج المادي والروحي، برز لدينا نوع جديد من الاختصاصات لم تعرفه سلالات بني آدم من قبل، الا وهو اختصاص تنظيم التظاهرات بكل اشكالها اليومية والاسبوعية، وبما يتفق ومختلف المتطلبات والمناسبات المحلية منها أو الاقليمية أو الدولية. بواكير هذا الاختصاص (التظاهرات) تعرفنا عليها عندما كنا طلابا في المدارس المتوسطة والثانوية، وكانت الدعوة للتظاهر سبيلا للتحرر من التزامات المدرسة شبه العسكرية، وحينها كنا نترك المدرسة والتظاهرة معا، لنعود للبيت والى العابنا المفضلة. هذه الصيغة المحلية للتظاهرات، وتطوراتها اللاحقة التي شهدت ولادة الحشود والتجمعات المتخصصة بهذا النشاط الجماهيري، لا يمكن نسبتها الى الجذور الاولية لهذا النشاط المدني المنظم والذي عرفته مجتمعات ما يعرف اليوم بـ (العالم الحر) بوصفها معولا لتقويض الهياكل والنظم القديمة وانتصارا لقيم الحرية والعدالة والحداثة. صحيح ان بداية تعرف العراقيين على هذه الوسيلة المجربة لانتزاع الحقوق المشروعة في مختلف الميادين، كان قريبا من روح ومغزى ذلك النشاط، وخاصة في نهاية النصف الاول من القرن المنصرم، الا ان مسار التظاهرات وطبيعتها ونوع يافطاتها والقوى التي تقف خلفها، قد اختلف كليا عن تظاهرات الآباء المؤسسين لها، والتي دونها الجواهري الكبير في اشعاره نهاية الاربعينيات من القرن المنصرم. زمن (جمهورية الخوف) مسخت التظاهرات المليونية لتتحول الى طقوس بائسة للاعلان المتواصل للبيعة وطاعة ذلك المخلوق الذي انتشل مذعورا من جحره الاخير.
ان محاولات اعادة الروح لذلك النشاط الاجتماعي والسياسي، لن يكون بمثل هذه الخفة واللامسؤولية التي انتابت البعض في العامين الاخيرين، اولئك الذين لم يحترموا اعتكاف نصب الحرية وعزلته منذ اغتيال المشروع الوطني قبل أكثر من نصف قرن. شخصيات وكيانات لا يعنيها معرفة وتشخيص الاسباب والعلل التي تقف خلف كل تلك الهزائم الحضارية التي المت بنا، والتي لا يمكن من دون تشخيصها العميق والمسؤول استرداد ومواصلة مثل تلك التقاليد اللائقة بالمجتمعات المتطلعة للمستقبل. وكما اشرنا مرارا؛ فان التظاهرات بحد ذاتها ليست خيرا محضا كما يتوهم المتيمون بها، والذين اتخذوها مهنة لهم، كما هو حال التظاهرات الحالية تحت نصب الحرية أو المتوغلة الى اعماق المنطقة الخضراء والبنايات الحكومية. بعيدا عن الشعارات واليافطات المرفوعة حول الدعوة للاصلاح والتغيير وباقي المفردات الجميلة، نحتاج الى فهم الاسباب الفعلية التي أوجدت مثل هذا الاختصاص وهذا الاصرار على مواصلة التظاهر بمناسبة أو بدونها؟
من خلال التمعن بنوع القوى والشخصيات والخطابات المتحمسة لمواصلة شكل الاحتجاج هذا والدفع به الى الذروة، نجدها مبتلية هي نفسها بعيوب بنيوية لا تقل غربة وانفصالا عن حاجات التغيير والاصلاح الحقيقي، والتي تدعي مناصرتها لها. لذلك تحولت التظاهرات الى ما يشبه الاختصاص لفئات وشرائح محددة، لم تعد تجيد غير اجترار هذا الحق المكفول دستوريا والارتقاء به الى سنامه الاعلى.. تظاهرات بلا حدود!
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة